• ×

05:16 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

◄ حدث لي موقف غريب صبيحة هذا اليوم انتابني خلاله شعوران مترابطان لم أعهدهما من قبل. أي تصادم المشاعر في نفس الوقت وسأنقل لكم الحدث ثم أصف لكم ما شعرت به. مع ساعات الصباح الباكر كنت جالساً على سطح منزلي في هدوء أتأمل شروق الشمش واستمتع بنسمات الهواء العليلة فجأة أحسست بشيء غريب يحط على رأسي لا أعلم كنهه ولم أحاول التثبت لمعرفة هذا الشيء وهذا من عاداتنا عدم التثبت من الأمور ومحاولة معالجتها بسرعة فيكون الدواء هو الداء.
وبدون تردد أو تفكير مددت يدي بسرعة فائقة لإزالة هذا الشيء، وأزلته بالفعل ولكني أحسست بلسعة قوية في إصبعي ألمتني بشدة تمنيت وقتها أني لم أفكر في مد يدي ! ولكن لا ينفع التمني بعد الفعل وكلمة، ليت، ولو، لا تقدم ولا تأخر بل تعقب الحسرات في النفس.
تدرون ما هذا الشيء - نحلة - صغيرة ضعيفة تعبت من الطيران فأرادت أن ترتاح ، ولكنها لم توفق في اختيار المكان المناسب وقالت العرب :
المستجير بعمر حين كربته = كالمستجير من الرمضاء بالنار
نعود إلى قصتنا من جديد نحلة حاولت إبعادها بقوة وعنف ودون تفكير فلم يكن منها إلاّ الدفاع عن نفسها بالسلاح التوفر لديها اللسع.
وللأسف كلانا استعجل، أنا استعجلت في طردها عن رأسي، وهي استعجلت في استخدام سلاحها الأخير - اللسع - دون تردد أو تفكير وهي تعلم أن هذه اللسعة تودي بحياتها غريزة الدفاع عن النفس سقطت أمامي على الأرض تتلوى وأنا لا أخفيك أتلوى مثلها من الألم طبعاً لم يكن بذاك الألم القوي - وبعد زوال الألم نظرت إليها بإشفاق وهي على الأرض تصارع الموت وعلمت أن حياتها منتهيه؛ لأن النحل إذا لسع غيره يموت، سر من أسرار الله - سبحانه وتعالى - في الكون، عجباً لي أقتلها ثم أول من يحزن عليها أنا ! - كما يقول المصريون : يقتل القتيل ويمشي في جنازته.
بعد تأمل لهذا المنظر شعرت بحزن شديد حزن على تسرعي في اتخاذ القرار وعدم حساب النتائج المترتبة عليه من المكسب والخسارة في نفس اللحظة حزنت كذلك على هذه النحلة التي تعلم أن استخدام هذا السلاح - اللسع - يودي بحياتها ومع ذلك لم تتردد في استخدامه ولم تفكر لحظة في نتائج استخدام هذا السلاح وحجم الفائدة المرجوة منه والضرر المترتب عليه نحلة !
بعدها طوح بي فكري بعيداً جداً تذكرت حالنا في معالجة كثير من الأمور والمواقف التي تمر بنا فتجدنا نستخدم ما تجود به أنفسنا من الألفاظ حينا، أو نستخدم ما حبانا الله من قوة للكم أو الرفس -، أو نسارع إلى استخدام ما تطاله أيدينا من الأشياء التي حولنا مما خف أو ثقل دون النظر إلى النتائج أو التفكير في العواقب حل سريع وبسيط وبعده ألم كبير. فكم مات شخص بسبب القرارات السريعة، وكم جرح، وكم مرض، ولا نزال نصر على استخدام الحل السريع الذي أمامنا وهو بسيط لا يحتاج فيه الفرد إلى تفكير أو جهد !
فإلى متى نصر على استخدام أسلحتنا في الإضرار بالناس وقد نكون أول المتضررين منها !
سؤال بسيط سأطرحه على كل صاحب حل سريع لعلي أصل إلى إجابة منه تبرر موقفه.
ماذا استفدت أيها القاتل ؟
ماذا استفدت يا من تحمل قنبلة لتفجر ؟
ماذا استفدت يا من تلفظت بأبشع الألفاظ على غيرك لمجرد هفوة أو غلطة ؟
ماذا استفدت يا من قاتلت غيرك لأتفه الأسباب ؟
وأعلم أنّ الإجابة حاضرة لديه مسبقاً الدفاع عن النفس والانتصار لها، وحتى لا يصفني الناس بالجبن، أو يظنون أنني ضعيف.
حجتك أيها الحبيب واهية فلقد قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب).
حساب دقيق وتعليم رقيق حتى يتفكر الإنسان في نتائج أعماله قبل اتخاذها فالرجل العظيم من يستطيع أن يسيطر على غضبه لا العكس.
وكانت وصيته صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه عندما طلب منه أن يوصيه فقال له : (لا تغضب) بل إنه صلى الله عليه وسلم وضع حلولاً عملية عند سيطرة الغضب على الإنسان فطلب من الغاضب إذا كان واقفاً أن يجلس، وإن كان جالساً أن يتكئ والله أعلم حتى يكون له فرصة في التأني والتفكير قبل اتخاذ ردة فعله.
وقد حث كثير من العقلاء والحكماء على تجنب مواجهة العاصفة بل شددوا على الانحناء أثناء مرورها وتركها حتى تمر بسلام.
الرد السريع يعطينا شعوراً بنشوة الانتصار لكنه شعور مؤقت يزول سريعاً وتعقبه الحسرات والزفرات والندم.
وسأتوقف معكم هنا وأستجمع قواي وأقول : كفى حديثاً عن شعور الحزن هذا فلقد أطلت وأحزنت غيرك.
نعود إلى الموقف - قصة النحلة - لنتحدث عن الشعور الآخر المتلازم مع الحزن وهو شعوري بالسعادة الذي نفتقده بشدة.
وأعلم أنّ من القراء من سيتدخل هنا وهذا من حقه ليسأل كيف أحسست بشعور السعادة من خلال هذا الموقف ! لأننا لا نشك أنّ شعور الحزن انتابك بسبب ألم اللسعة وهذا لا يحتاج إلى تفسير؛ لأنّ الحزن وليد الألم.
أما أن تشعر بالسعادة والموقف هذا فيه نوع من الألم فنحتاج منك إلى توضيح ! وأنا أجيب واحتاج منكم إلى الإصغاء والتفكير فيما أقول. هذا الموقف نقلني إلى أيام مضت منذ سنوات بعيدة أتدرون ما هذه الأيام ؟ إنها أيام الطفولة أيام البراءة والعفوية. تذكرت منظر الأطفال وهم يتجمعون حول الزّير - إناء من الفخار يوضع فيه الماء ليشرب الناس - ينظرون إلى النحل وهو يطوف حول هذا الزير ويحاولون إبعاد النحل عن الزير، وحين تلسح أحدهم نحلة ويتلوى من الألم يضحك أقرانه عليه وحين ينظر إليهم هذا الطفل وهم يضحكون لايجد في نفسه مضاضة من الضحك معهم ويتناسى ألمه وكأنه لم يكن، بل ربما بعضهم يضع يده متعمدا لتلسعه النحلة كي يري أقرانه مدى قوته في تحمل الألم أطفال ! نقولها دوماً ونرددها ومعناها باختصار : حياة بسيطة جداً لم تصبغها زخارف الماديات أو تلونها الحياة بألوانها المصطنعة.
تجد أحدهم يسعى طوال يومه ليمرح ويلعب وما أن تحين ساعات المساء حتى ينام دون قلق أو خوف من الغد فما أحوجنا للسعادة وتحقيقها لأنفسنا ونشرها بين الناس بالفعل بعد تذكر هذا الموقف طغى شعور السعادة في نفسي على شعور الحزن وأنساني الألم.
فتذكر موقف سعادة قد يزيل عنك أو يجعلك تتناسى موقف الحزن وهذا من إعجاز المولى عز وجل في تكوين النفس البشرية قال تعالى : (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وقد أثبت علم النفس أن لدى النفس البشرية قدرة على إحلال شعور مكان أخر بسهولة وبساطة وسأقف معكم مع قصة من تاريخنا المجيد لعلنا ندرك مدى قدرتنا على تغيير المواقف الشعورية لصالحنا سأل أحدهم الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه عن كيفية تحمله لعذاب كفار قريش ؟ فقال : (مزجت مرارة العذاب بحلاوة الإيمان فطغت حلاوة الإيمان على مرارة العذاب فاستعذبت العذاب).
لنحاول أن نتناسى آلامنا وأحزاننا بتذكر موقف سعيد عشناه أو نعمة أنعم بها الله علينا لعل وعسى !
أعتذر عن الإطالة، ولكن لكم مني بشرى سارة أزفها إليكم فأنتم وأنا إن شاء الله من أهل الجنة صبرتم على ما قدمت وتحملتم إطالتي، وأنا شكرت ربي أن رزقت بقراء مثلكم، والصابر والشاكر في الجنة.

 0  0  2146
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:16 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.