• ×

05:23 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ أسوأ أعمال العنف التي يمكن أن يقوم بها الطلاب اتجاهي هي عدم التزامهم الهدوء عندما يجب عليّ نقل المعارف لهم ـ أستاذ.
أسوأ أعمال العنف ضد الطفل هي حرمانه من الكلام وسجنه داخل زنزانة الصمت ـ جاك سالومي "حتى نكون في الاستماع لأطفالنا".

■ ما هو الموقف الذي يمكن للأستاذ اتخاذه أمام قسم هائج، ثرثار، قليل الاحترام وأحياناً قريب من الصخب والفوضى العارمة
1. من الفوضى الخلاقة إلى الصخب المدمر.
لتعش الفوضى بطريقة إيجابية يمكن للفوضى أن تكون ذات صلة بالضجر الذي يعانيه التلميذ، لأننا نفرض عليه قبل كل شيء أن يكون سلبياً وبليداً أو أنّ التلميذ يشعر بصعوبة في التعلم. السؤال الأول الذي يمكن طرحه في هذه الحالة يدور حول المضامين ومستوى الدروس المقدمة (سهلة ؟ صعبة جداً ؟) وكذلك حول طريقة توصيل المعلومات. إذا كان للمعرفة معنى وأهمية لدى التلميذ سيكون دون شك مشدوداً لتعلماته مهتماً بها غير آبه ولا جاهز للفوضى.
يمكن للفوضى أن تولد في لحظات يحاول فيها المعلم الحصول على شد انتباه طلبته وفرض متابعة جيدة له، وخلق جو من الحيوية والإبداع بحيث لا يشعر الطالب بنفس الضغط الذي يعانيه مع أساتذة آخرين. يرتبط رد الفعل الأول عند الأستاذ بشعور الخيبة وعدم القدرة على ضبط القسم مصدر الغضب والهيجان (حضّرت درساً رائعاً إلا أنّ التلاميذ لا يبالون)، ويشعر الأستاذ كذلك بأن التلاميذ بالقاعة المجاورة رفقة أستاذهم منزعجون من هذه الفوضى، وبالتالي، يصبح التفكير في الإعراض عن التدريس النشط الدينامي قوياً.
أعتقد بعد بضع سنوات من التجربة البيداغوجية النشطة أن الضوضاء في القسم إلى حد معين لا مفر منه عندما يعمل التلاميذ في مجموعات، أو يقدمون عرضاً أو يناقشون فكرة أو موضوعاً معيناً .. من البداية أحاول تعويد التلاميذ الكلام بالهمس، حمل الكراسي بدلاً من جرها على الأرض، الإنصات إلى الآخرين في صمت، ورغم جهودي في هذا الميدان، بقيت الضوضاء داخل القسم إلى حد معين. يجب على الأستاذ القيام بدراسة حول ذاته وإمكاناته ليتقبل بسعة صدره النظرات والآراء السلبية في بعض الأحيان الموجهة لشخصه من محيطه وأحياناً أخرى من تأنيب نفسه.

■ الرد على الضجيج :
ومع ذلك، تستغل بعض المجموعات أو بعض الأشخاص داخل القسم جو الثقة السائد بين التلاميذ والأستاذ لتتجاوز حدودها. يمكن للشغب أن يصيب أنشطة التلميذ كلها وينتشر في القسم كافة. عشت لساعات، حيث العمل الذي أقترحه في إطار العمل في مجموعات صغيرة على سبيل المثال أصبح عذراً جديداً لإحياء محادثات عقيمة، والتعليمات الدراسية تنتقل إلى المرتبة الثانية أو الثالثة، في بعض الأحيان يصبح الضجيج شمولياً يحول دون اكتساب المعارف، يمكن للتلاميذ غير الاجتماعيين التحكم في زمام القسم وتحويله إلى فوضى عارمة.
تعلّمَ بعض طلبة الثانوي من أسرهم، من فرقهم الرياضية أو من أماكن أخرى نوعاً من الإحساس بالانضباط، طبيعي بالنسبة لهم أن يلعبوا دوراً إيجابياً داخل المجموعة، إنهم ينتهزون أيّ مشروع مقترح من الأستاذ ليحولوه إلى عمل ينبض بالحياة .. بالمقابل، يعيش البعض الآخر تحت الضغط. في البيت كما في القسم يمتثلون للأوامر بطريقة سلبية، وبمجرد زوال التهديد يعودون ثانية لتصرفاتهم القديمة، سلوكهم الاستفزازي، المشاكس غير مرتبط بطباع عدوانية لكنه مرتبط بحالة من اللاستقرار في مسار تعلم الطالب للمواطنة. بالموازاة لا تورث المعارف وأساليب العمل، الأخلاق، كل شخص يبني تصوراته الأخلاقية من المحيط الذي من حوله.
إذا بدأ الأستاذ بضرب أو معاقبة المحرضين على الفوضى فإنه يخفق في تحقيق هدفه : وهو العمل على جعل التلاميذ مستقلين ومسؤولين. هذا الموقف الجديد لوحده يشوه القيم التي حاول المعلم سابقاً نقلها إلى التلاميذ. يجب على الأستاذ إيجاد استراتيجيات تنظيم أخرى، للطلبة حساسية كبيرة للتواصل مع الكبار، يجب على المعلم أن يفهم الآخرين بموقفه دون البحث عن موافقتهم له.

2. تجربة معاشة : الجو الذي ينهار مع قسم السنة الأولى علوم وتكنولوجية.
بين 1999 و 2000 كنت أدرس مادة الاقتصاد والحقوق لقسم من السنة الأولى علوم وتكنولوجية من ثلاثين طالباً. كان الطلبة منذ عدة أشهر يتميزون بالحيوية والاهتمام، عشنا في ورشات تعلم الخط، المرافعات القانونية، ومحاكاة البرامج التلفزيونية، قدموا مجلات تتناول مواضيع اقتصادية وقانونية، وتعلموا بمساعدتي تطوير حصصهم الدراسية.
في شهر فيفري من سنة 2000 تحول ذلك النشاط إلى اضطراب، أصبحت أوامري على نحو (اسكت، اعمل) لا يلتفت إليها ولا تطاع، وزادت عقوباتي الطين بلة وتفاقمت الوضعية، أحدث تغيير أماكن جلوس التلاميذ في القاعة أصواتاً مسموعة يتبادلها التلاميذ فيما بينهم، طرد أيّ تلميذ من القسم يزيد من شعبيته ونجوميته. طريقة غير مجدية، بالإضافة إلى أنّ قانون الثانوية يمنع طرد التلاميذ. كنت أشعر بثقة وتقدير غالبية التلاميذ، إذا لم ألعب دوري في تنظيم القسم بضمان ظروف الدراسة السليمة، أخشى أن ينقلب القسم كله ضدي.

■ إثارة التفكير حول أنفسهم :
صباحاً، في بداية شهر مارس، اقترحت عليهم أن يعيشوا موضوعاً مبيناً أدناه : "نحن جميعاً على متن نفس السفينة" يهدف هذا الموضوع إلى إشراك التلاميذ في مشاكل الحياة داخل الفصول الدراسية. أتمنى أن يتساءلوا حول دورهم داخل المجموعة الدراسية. بالنسبة لي، لكل منا دور خاص به، عندما يطفو الفشل على السطح لا أحد نحمّله الخطأ كله ولا أحد نبرّأه من أيّة المسؤولية.
من البديهي، إذا فشل درس ما فإنّ التلاميذ يعتقدون : كان ذلك بسبب الفوضى التي يحدثها الزملاء، أو إلى الأستاذ الذي يفتقر إلى السلطة "بصفة عامة، عندما تحدث مشكلة ما داخل المؤسسة، كل طرف يحمل المسؤولية للطرف الآخر، إنّه الآخر" لو قام المستشارون الرئيسيون للتربية بواجبهم لما كثرت غيابات التلاميذ "يقول الأساتذة" عندما يكون الأولياء صارمين مع أبنائهم، تحل المشاكل بسرعة "يجيب المستشارون الرئيسيون للتربية" لو لم يخنق مدير المؤسسة القضايا الصعبة لفهم الأولياء هذه المشاكل بشكل أفضل" يرد الأولياء.
هذه التصورات السائدة تسدّ باب البحث عن الحلول، لأن كل واحد يرمي باللائمة على الآخر، يجب أن يتحمل كل منا مسؤوليته لنتقدم إلى الأمام .. أتمنى أن يتناول التلاميذ هذه المسألة، مسألة الانضباط بالتحليل والمناقشة، ويشعر كل واحد بمسؤولية البحث عن الحلول.
تستمر المناقشة والتحليل ساعتان، تتوقف عند ثلاث محطات : لعب أدوار حالات الفوضى، التفكير الجماعي لإمكانية تغيير رؤيتنا للأحداث، لعبة أدوار جديدة تبين الحلول المقدمة لمعالجة الفوضى داخل القسم، ومناقشة حول تجربة الطالب لجلسات حصة الدراسة. تكون مرحلة التفكير الجماعي ثرية ومثمرة، وبعد حصص كثيرة يعود الهدوء إلى القسم.

■ وضع الحدود :
مع نهاية شهر مارس، حضرنا أنفسنا لرحلة دراسية إلى مدينة سات Sète مظاهر اللامبالاة بدأت في الظهور من جديد، أحدث تلميذ أصواتاً منتظمة دون أن يظهر نفسه، ما أسعد على ما يبدو الجميع دون أنا أعتقد أنّ فلاناً هو الذي أحدث هذه الأصوات لكنني لا أملك دليلاً على ذلك. يبدو أن الجو غير مريح ولا مقبول. خلال نهاية الأسبوع، قمت يتحليل الوضعية مع أصدقائي، كان بإمكاني أن أوقع هذا الفوضوي في فخ، لكن هذا الطالب هو الوحيد الأجنبي (غير الفرنسي) إذا حملته مسؤولية هذه الفوضى أخشى أن يفكر باقي الطلبة بأنّ تصرفي ينم عن عنصرية اتجاه الأجانب، إذا أحدث هذا الأجنبي تلك الأصوات فلأن زملاءه كانوا متواطئين معه ولو بشكل نسبي، لماذا يعاقب وحده دون الآخرين ؟ لا بدّ من البحث عن حل آخر.
يوم الاثنين، أعلنت في بداية الحصة، أنّني أرفض مثل هذه الوضعيات السيئة، تركت لهم نصف ساعة للتشاور بينهم، إذا تكرر هذا السلوك مرة أخرى فلن أرافقهم في المرة القادمة وبالتالي تلغى الرحلة. لن أستطيع المشاركة في هذا المشروع إذا كان القسم لا يحترمني .. خرجت من القاعة لمدة ثلاثين دقيقة، وبعودتي لم أقترح أيّ حوار، سار الدرس بشكل هادئ جداً وكأن على رؤوس التلاميذ الطير.

■ حُلّ المشكل هذه المرة نهائياً، وقرر التلاميذ إيقاف الفوضى.
كانت رحلتنا بالنسبة للجميع تجربة ثرية لا تنسى، هل كان ذلك ابتزازاً ؟ هل كانت الرحلة حبة جزر انقاد لها التلاميذ ؟ لقد فكّر التلاميذ في سلوكهم هذا، وحضروا رحلتهم بكل مسؤولية.
منذ بداية السنة الدراسية، عملنا جميعاً في مشاريع باحترام متبادل، شعرت أن تلك الأصوات التي أحدثها التلميذ تجعلني في وضعية حرجة، في وضعية ضعف أمام التلاميذ، أصبحت أداة لمشاريعهم، لقد شاهدت قبل هذا بكل هلع تلاميذ من الثانوي يعاملون أستاذهم المغلوب على أمره وكأنه شخص ذليل، ومرافقتهم في رحلة في هذه الظروف تعني قبولي بهذا القانون، لذا فكرت في وضع حد وبقوة لهذا السلوك.

■ القسم داخل مجتمع قابل للانصياع :
يجتمع التلاميذ دون تفكير حول الفوضوي الذي يستولي خلسة على السلطة داخل القسم، واتخاذ القرار بعدم الانصياع له والاجتماع حوله إلى غير رجعة يحتاج إلى تفكير من طرف التلاميذ، يحتاجون إلى تحليل وضعية هذه الأزمة للوصول إلى مقاطعة سلوك انقياد الخرفان. صعوبة هذا التحليل ليس خاصية بقانون التلاميذ.
في "القلب الواعي" برنو بتلحام Bruno Bettelheim يوضح أن الأشخاص لم يتكوّنوا بشكل مقبول لاتخاذ القرارات، يعيشون شعوراً بالضعف أمام السلطة ما يحطم قدراتهم على التكيف مع مصاعب الحياة، يدخلون إلى أنفسهم خوفاً دون تفكير أمام أشخاص لديهم السلطة.
التكوين في التربية المدنية لا يقتصر على حفظ قوانين حقوق الإنسان للتلاميذ، وإنما هو محاولة تعليم الشباب كيفية تقييم السلوكات داخل المجتمع وتعليمهم كيفية اتخاذ القرار.
وضعيات الأزمة داخل القسم ليست فقط مراحل صعبة يجتازها الأستاذ، وإنما هي مراحل مناسبة لتطوير الحس المدني أو المواطنة عند الشباب. نحن كأساتذة عجلات في قلب النظام، وعند التلاميذ نحن في وضعية السلطة. يجب التفكير في تسيير توترات وتشنجات داخل القسم بشكل بناء، وبالمقابل هل نعرف دائما اتخاذ مواقف هادئة أمام مسؤولينا المباشرين ؟
■ ترجمة : عثمان آيت مهدي.

 2  0  3963
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1431-02-27 01:39 مساءً علي عياش المزجاجي :
    عناية الأخ الفاضل / عثمان آيت مهدي ، تحية طيبة
    أشكرك لحسن اختيارك و ترجمتك هذه المقالة الجيدة ، وهي توضح بشكل جلي كيف يختلف المعلمون في تعاملهم مع الصعوبات التي تواجههم وتعاملهم مع الطلاب ، والفرق بين المعلم الذي يلجأ للحلول الآنية السهلة رغم أنها غير فاعلة ، والذي يبحث عن طرق فاعلة حتى ولو كانت مجهدة وتستهلك وقت حتى يجني ثمارها ، وقد أشار المقال إلى نقاط جوهرية وغاية في الأهمية من وجهة نظري وهي :
    أهمية أن يكون التعليم ذو معنى للمتعلم وأن تطرح المواضيع والمفاهيم على الطلاب في جو حيوي وبشكل جذاب يتفاعل معه الطلاب ويكون للطالب دور إيجابي في الموقف التعليمي.
    أهمية التفريق بين فوضى الطلاب الغير هادفة وغير منتجه والضوضاء التي قد تنتج لتفاعل الطلاب واستغراقهم في أنشطة الدرس .
    من المهم في محاولة قضاء المعلم على الفوضى وإدارته للصف أن يبدأ بالنواحي التي يملك السيطرة عليها وتغيرها مثل طريقة العرض واستراتيجيات التدريس وطريقة تعامله مع الطلاب ... الخ ، وعدم البدء بالجانب الأصعب وهو تغيير الطلاب وإجبارهم على التزام الهدوء .
    أهمية أن يكون المعلم ملتصق بطلبته محاولاً فهمهم وفهم دوافعهم وما يحبون وما يكرهون .
    إن إشراك الطلاب في أمورهم والمشكلات التي يتسببوا فيها بالتحليل وإقتراح الحلول والمعالجة له أثر كبير لوعي الطلاب ، وإدراك نتيجة أعمالهم وبالتالي تعديل سلوكهم.
    أكرر شكري وتقديري لواجهة ما تم طرحه
  • #2
    1431-03-14 09:13 مساءً بولعلام :
    مشكور على المجهود
    شعور التلميذ بالاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار في جو تفاوضي يلقي عليه بالمسؤولية، إضافة الى بناء الثقة المتبادلة المبنية على الحب والاحترام ميثاق يقيد التلميذ ويدفعه إلى الإيجابية .
    بوالعلام المغربي

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:23 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.