• ×

10:49 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ رحم الله شاعر الحرمان الشاعر الأمير عبدالله الفيصل وأسبغ عليه واسع رحمته فقد ناقش قضية مؤرقة لمن وقع فيها ألا وهي الشك واخترت من قصيدته الأبيات السابقة. ولكن الشك له معان عدة بناء على وجهة نظر علوم عدة فله في اللغة مدلوله، وعند الفلاسفة له دلالته، وعند علماء النفس له مفهومه ولعله المقصود هنا. الشك بهذا المعنى له مخاطر ولن تسلم ما لم تدفع تلك المخاطر فهيا بنا نبحر في هذا الإطار يا سادة يا كرام.
أَكَادُ أَشُكُّ في نَفْسِي لأَنِّي =أَكَادُ أَشُكُّ فيكَ وأَنْتَ مِنِّي
يُكَذِّبُ فِيكَ كُلَّ النَّاسِ قَلْبِي= وَتَسْمَعُ فِيكَ كُلَّ النَّاسِ أُذْنِي
وَكَمْ طَافَتْ عَلَيَّ ظِلاَلُ شَكٍّ= أَقَضَّتْ مَضْجَعِي وَاسْتَعْبَدَتْنِي
كَأَنِّي طَافَ بِي رَكْبُ اللَيَالِي = يُحَدِّثُ عَنْكَ فِي الدُّنْيَا وَعَنِّي
عَلَى أَنِّي أُغَالِطُ فِيكَ سَمْعِي= وَتُبْصِرُ فِيكَ غَيْرَ الشَّكِّ عَيْنِي
وَمَاأَنَا بِالمُصَدِّقِ فِيكَ قَوْلاً= وَلَكِنِّي شَقِيتُ بِحُسْنِ ظَنِّي
وَبِي مَمَّا يُسَاوِرُنِي كَثِيرٌ= مِنَ الشَّجَنِ المُؤَرِّقِ لاَتَدَعْنِي
تُعَذَّبُ فِي لَهِيبِ الشَّكِّ رُوحِي= وَتَشْقَى بِالظُّنُونِ وَبِالتَّمَنِّي

■ تعريف الشك :
● في اللغة :
الضم والتداخل، لذا يقال : شككته بالدبوس أي : أدخلته في جسمه، ومنه قول عنترة : فشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم.
وشك عليه الأمر، إذا التبس عليه : قال تعالى : (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك)، وهو معنى التداخل حيث دخل هذا في هذا، فلم يتضح الأمر.

● وعند الفلاسفة :
عرف "الجرجانى" الشك فى معجمه الفلسفى "التعريفات" بقوله : هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الأخرعند الشاك.
وقيل إن الشك هو ما إستوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما.
ولعل هذا ما يستخدمه العامة عند إطلاق كلمة شك على أن الشك بهذا المفهوم العامي لا يصل في استخدامه إلى ما وصل إليه الفلاسفة عند حديثهم عما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) فقد جنح الفلاسفة في هذا الجانب خاصة أنهم حددوا خصائص للشك تقدح في العقيدة عند تعميمها ولست من يناقشهم وليس المقام مقام النقاش حول هذه القضية.

● أما علماء النفس :
فللشك عندهم مفهوم خاص وله أسباب خاصة كما ذكر الدكتور خليل فاضل عندما قال : هو فكرة تتملك الإنسان تجاه الأشخاص أو الأماكن أو الأشياء أو المواقف وتؤدي إلي ضيق واضطراب في المزاج، هي شعور إنساني عادي إذا كان في حدوده لكنه إذا ما صار مرضياً قلب حياة صاحبه إلي جحيم وممكن أن يتحول إلي (ضلالة). الشك مرتبط بالشخصية وتكوينها كما أن له جذور في الأسرة وأيضاً تلعب العوامل الوراثية دوراً في تكوينه بجانب البيئة المحيطة ويزيد في حالات الاكتئاب والشخصية الاضطهادية وفي ظروف القهر والكبت والتوتر .. أ هـ.

■ وسوف يدور حديثنا عن الشك :
كمرض اجتماعي نفسي فعندما يتفشى الشك في مجتمع بهذا المعنى فهو مرض اجتماعي فكيف يتوقاه كل ذي لب حصيف.
1- بحسن الظن.
علينا أن نجتنب الظن السيئ بالآخرين وكلنا نعرف أن بعض الظن إثم وسوء الظن هو أن تفسر العمل تفسيراً سيئاً وهو عند البعض موجود فربما فسر بعض الناس زيارة صديق له بأنه لم يفعل هذا إلا لمصلحة علماً بأن الزائر لم يحضر إلا لشعوره بالتقصير.
كما يسيء البعض الظن في أهله من زوجة وولد بدافع الغيرة وشتان بين الغيرة والشك فالشك هنا مرض والغيرة يحبها الله فالله يغار ورسوله يغار وقد قيل إن سعد بن معاذ تزوج وأردف زوجه خلفه وعندما وصل بيته ذبح فرسه غيرة أن يركب أحد مكان زوجه ولا أخالها إلا من شدة المحبة. ومتى ما طردت سوء الظن تغلبت على عقبة من عقبات مرض الشك فلا يثور الشك.

2- ارحم غيرك.
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ـ رضى الله عنهما ـ أَنَّصَفِيَّةَ، زَوْجَالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فِي الْعَشْرِالأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْتَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّىإِذَا بَلَغَتْ باب الْمَسْجِدِ عِنْدَ باب أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَالأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُمَاالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَصَفِيَّةُ بِنْتُحُيَىٍّ‏"‏‏.‏ فَقَالاَ سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ .‏.‏ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا .‏.‏ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏إِنَّ الشَّيْطَانَيَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِيقُلُوبِكُمَا شَيْئًا‏".
أنظروا يا رعاكم الله كيف رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبيه فبين ووضح ما يمكن أن يكون مدخلا للشيطان وأراحهما من الشك فمن كان في موقف يحتمل الشك أو يفتح بابا للشيطان فليرحم إخوانه وليبرر تصرفه حتى لا يثور الشك عندهم.

3- ضيق الخناق على نظرية المؤامرة.
كثير من الناس ما أن ينصحه شخص أو يخطئ عليه شخص إلا عد ذلك مؤامرة وأن الخلق يأتمرون عليه فواجبنا أن نجعل دائرة المؤامرة في أضيق الحدود ولا نجعلها الشماعة التي تثير الشك عندنا ومتى حجمت المؤامرة ووضعتها في زاويتها أمنت من ثورة الشك في هذا الجانب.

4- الحكم بظاهر العمل.
ما أحوجنا إلى الثقة والتعامل مع الحدث في حد ذاته بعيداً عن تفسير نية صاحبة فمن كان هذا تعامله ارتاح وريح نفسه من العناء وريح فكره من التفسيرات، وقد يجهد البعض فكره في تفسير الحدث فعندما يرى عملا صالحا يبدأ يبحث عن نية صاحبة ويقول أراد كذا بل أراد كذا وما يزال يرتقي في تفسير النيات وربما حكم بالرياء على شخص عمل عملاً صالحا فمثلاً من رأى رجلا يتصدق وقال : من قال هذا يريد الصدقة ؟ هذا لا يريد إلا حب الظهور فقد حكم على ذلك الشخص بالرياء وفي مثل هذه المواقف يجد الشك مرتعه الخصب ليثور.

5- اعرض عن الشك.
إن الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم فلولا إذا نزغ أحدنا الشيطان استعاذ بالله لارتفع بنفسه وأعرض وابتعد عن الظنون ولهوى شيطانه وما هوى، ولكن عندما يطلق العنان لخيل الشيطان تعدوا في مضمار الشك متقلبة بين فكرة وأختها الأسوأ لاحتار فيم يختار من الظنون وثارت الشكوك في نفسه.

● مضار الشك :
للشك مضار وتزداد بازدياد حدة الشك ومن مضاره ما يلي :
1- التفريق : ما أجمل الحياة الهادئة لا يكدر صفوها ظن ولا شك يعيش المرء وزوجه في وفاق تام ويسير الصاحب مع صاحبه والولد مع والديه في حياة ملئها السعادة وما أن يثور الشك بين اثنين إلا وتبدأ الفتنة وتتوسع دائرتها فربما أنكر الخل خله ورآه عدوه اللدود وربما حليلة اليوم محرمة الغد وربما بار اليوم بوالديه عاقهما غداً.
2- يجعل صاحبه وحيداً : إن التوسع في دائرة ثورة الشك لتشمل كل المحيطين حول الشخص تجعله في يوم من الأيام يعيش وحيداً لا يتقبله أحد وليت نفسه منه سالمة إذ قد يتطاول الشك إليها فأين المفر .
3- الأمراض النفسية : ثبت علمياً أن الشك البسيط قد يتطور شيئاً فشيئاً حتى يصبح مرضاً نفسياً ملازماً لصاحبه وربما جلب معه أمراضاً أخرى ويا ويح قلبي عمن تنازعته الأمراض النفسية ليته من الجنون سالماً.
4- ضعف الثقة : من الثار الحتمية للمبتلى بمرض الشك أنه لا يثق في أحد فالتفسير المقدم عنده لأي عمل أن نية صاحبه فيها ما فيها فلا يجد من يثق فيه.
5- التفكك الاجتماعي : إذا انتشر الشك وثار بين أفراد المجتمع أحجم أكثر أهل الخير عن خيرهم فلا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلا ما رحم ربك وبكثرة المصابين يكون التفكك أكثر.

■ فهيا يا رعاكم الله :
إلى منهج إسلامي واضح تعيش معه في سعادة تامة فيا من قادته الغيرة للشك قف واعلم أن الغيرة مع الريبة ويا من أصلت الشك وجعلته الأصل هلا أُبت إلى رشدك فهلا ظن المؤمنون بأنفسهم خيراً وهيا يا مستمعاً لكل شاك صُم أذنيك وأحفظ ما بين فكيك فلا تنقل الشك ولنحذر ثورة الشك فلا أمان لها.

 0  0  2825
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:49 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.