• ×

09:38 مساءً , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ من يكره الكرامة والامان ؟
من يكره المحافظة على حقوقه ؟
كانت هذه الكلمات اول ما خطر على بالى ردا على سؤال عويص وهو هل ارادة ‏الشعوب هي التي ادت بها إلى هذا الكم الهائل من الفساد والخوف والضعف والفرقة ‏والارهاب وعدم الثقة والسلبية وامتهان الكرامة وضياع الحقوق ؟
ونظرا لانني فرد ‏من العامة ولا اتحمل غليظ الكلمات والنظريات الفلسفية والرؤى المستقبلية بعيدة ‏المدى والتي لا يراها الا العلماء لما لديهم من اجهزة بصرية ووسائل احصائية ‏وخواطر ربانية ما انزل الله لها من سلطان, فلم يكن لي سبيل يهديني للحقيقة او ‏الرد سوى المنطق العقلي الفطري الذي هدى سيدنا ابراهيم عليه السلام إلى الله ‏سبحانه وتعالى رغم غيبيته.
هذا العقل الفطري المنطقي الذي نلجأ اليه عندما تنعدم ‏الرؤية الصادقة، فاجبت : "بالطبع لا، لا يمكن ان يختار شعب طريق انهياره بيده" ‏وعجبت من رد المسؤلين على جميع المستويات العلمية والقيادية والممثلين للارادة ‏الشعبية ليؤكدوا ان طبيعة تكوين واساس الناس هي كده وليس في الامكان احسن ‏مما كان، الناس اخلاقها (وحشه) .. الخ.‏
فخليت إلى نفسي، وهذا الرد عالق بذهني، وراجعت طبيعة وخصال الناس (الوحشة) التي ‏عاشرتهم خلال سنوات عمرى (طفل شقي لايفكر الا في اللعب، شاب منحرف لا ‏يفكر الا في كافة أنواع المخالفات، رجل فقير حرامي سارق نصاب مرتشي كاذب ‏، تاجر غير امين، ‏عامل غير امين، رجل شاذ، موظف بسيط فاسد، موظف كبير فاسد، مسؤل ‏امني او قضائي فاسد - رجل دين متطرف باختلاف الملل - رجل صالح وله نقائصه ونقائضه، وكذلك هي الحال بالنبسة للنساء، والقائمة تطول).
فكرت كثيرا في كل هؤلاء وسألت نفسي هل هم ‏فعلا أناس طبيعتها هكذا، ولا يمكن تغييرها ؟ وللاسف وجدت ان كلا منهم له قصة تختلف ‏عن الاخر، واسباب للانحراف لو توفرت لاي فرد اخر في نفس مكانهم وزمانهم لكان ‏له نفس رد الفعل السلوكي. والاختلاف الوحيد بين من يتمكن من ممارسة الانحراف ‏او يستسلم له ومن لا يتمكن من ممارسة الانحراف او الاستسلام له هو العقيدة ‏والرقابة. فالعقيدة الصحيحة هي التي تمكن الانسان من السيطرة على سلوكه ذاتيا ‏والرقابة هي التي تمكن المجتمع من السيطرة على سلوك الانسان الذي لم يتمكن من ‏السيطرة الذاتية على سلوكه.

المشهد الأول : العهر وبيع الهوى .
عدم القدرة على السيطرة على النفس وكبح الشهوات :
سألت إحدى بنات الهوى : هل انت سعيدة بحياتك ؟
فقالت بالطبع لا.
فسألتها : طب ليه ما تبطليش ؟
فقالت : كذا وكذا وكذا، غياب الرقابة الاجتماعية.
فسألتها : طيب لو اتقبض عليك ما انت حتتسجني وتبطلي ‏كل حاجة ؟
قالت : لا انا حريصة جدا، ومش باشتغل على طول وبعدين مين حيعرف ما ‏حدش واخد باله ده حتي جوزي فاكر اني بادي درس.
(وطبعا اتقبض عليها بعد كده ‏بكام سنه !) فقدان الأمل والاستسلام للواقع.
سألتها : طيب ليه ما تتطلقيش وتشوفي واحد ‏يحل لك كل مشاكلك ؟
قالت : ومين ده إلى ياخد واحده زيي ومعها كوم عيال ؟
قلت : طب لو لقيتي واحد يرضي حتعملي ايه ؟
قالت : ‏اكون خدامه تحت رجليه ومش هخرج من باب شقتي الا على الحج والقبر هو حد ‏يكره ؟!

المشهد الثاني : الرشوة .
غياب العقيدة :
سألت موظفا مرتشي : انت بتسرق ليه ؟
قال : كذا وكذا.
فسألته : طيب انت مش ‏عارف ان كده حرام ؟
قال : بكل بساطة يعني حالنا كده هو إلي حلال ؟ وبعدين ماهو ‏الكل بيعمل كده في المصلحة من غير ما يكون عندهم عذر، وهم مرتاحين ومش ‏محتاجين. غياب الرقابة الاجتماعية.
فقلت له : طب لو اتقبض عليك حتعمل ايه ؟
فقال بكل ثقة : يبقوا يثبتوا ‏الرشوة، ما تخفش ماحدش واخد باله !
قلت : طب لو بلغت عنك انا ؟!
فقال : معاك اثبات ؟! فقدان الأمل والاستسلام للواقع.
قلت : له طب لو حليت مشاكلك برده حتسرق كده ؟
قال : ‏هو حد يكره ايدي على كتفك !

المشهد الثالث : البلطجة .
غياب العقيدة :
سالت واحد بلطجي : انت بتكسب كام من البلطجه إلي واخده شغلانة ؟
قال : إلى يكفيني، اكل وشرب ‏وكيف ولبس زي مانت شايف.
قلت : يعني كام في الشهر تقريبا ؟
قال : ييجي 300 او ‏‏500 جنيه.
قلت : وبتصرف كام منهم على الكيف ؟
قال : ييجي 300 او 700 جنيه ‏وضحك !
قلت : بس كده حرام عليك صحتك ؟
قال : يعني انت شايف ايه إلي حلال ؟ أقعد جانب الحيط واشحت وابطل كيف وستات واعتبر نفسي ميت ؟! ولا لازم اعيش ‏زي خلق الله ؟! غياب أو ضعف الرقابة الأسرية.
قلت : بس انا اعرف انك كنت ابن ناس مبسوطة ‏زمان ؟
قال : هم فين الناس دوله، مش كان لازم يشكمون الأول ؟! غياب الرقابة الاجتماعية.
فقلت : طب مش بتخاف لا يتقبض عليك ؟
ضحك وقال : الحكومه كلها حبيبي ‏والجيران هنا محدش فيهم يقدر يشتكيني ! فقدان الأمل والاستسلام للواقع.
قلت : له طب ‏ايه رايك انا اعرف رجل اعمال عايز يشغل بودي جارد بس لا يكون بتاع كيف ولا ‏ستات وحيديك سكن ومرتب كويس شهري ولو استمريت معاه حتقدر تتجوز وتفتح ‏بيت وتسيب الحته وتبقي حاجه تانية غير كده ؟
لم يفكر، وقال : وانا موافق بس انت ‏بتتكلم جد ؟
قلت : يعني انت حتقدر بجد تبطل كل الحاجات دي ؟
قال : حابدأ وواحده ‏واحده حبطل يعني انت فاكر ان فيه حد عجبه حاله كده ؟! وربنا يسهل !
قلت : يعني ‏بجد عندك استعداد تبقى راجل شريف ومحترم ؟
قال : وهو حد يكره !

المشهد الرابع : تاجر متدين ونصاب .
سألت رجلا محترم وعلى علم بالدين والعقائد والمعاملات ويلجأ اليه البعض ‏للنصيحة واخذ المشورة، ويعمل تاجرا واعتاد ان ينصب على الناس ويأخذ منهم مبالغ ‏نقدية لتشغيلها لهم ويكتب لهم شيكات او ايصالات امانة ثم يمتنع عن السداد بحجة ‏الخسارة فيلجأ الناس للقضاء وبعد طول العمر يحكم لهم القضاء برد الحقوق فيرد ‏لهم التاجر الاموال بامر المحكمة. وفي حقيقة الامر هو يستثمر تلك الاموال ويتربح ‏منها كما انه يضر بالغير ويصيبهم بالازمات المالية التي لا يحسب عواقبها عليهم ‏ويفقدهم القيمة الفعلية لاموالهم !
انحراف عقيدة واتباع لهوى النفس :
سألته : الا تعلم ان هذه الافعال حرام ؟
قال ‏براحه : يا عم حرام ايه انت لو تعرف الراجل بتاع الشيك ده عمل ايه كنت دبحته مش ‏دوخته في المحاكم.
قلت له : وماذا فعل ؟
قال : كل يوم يطب علي وعايز فلوس في ‏ساعتها ولو قلت له بكره ولا بعده يعمل فضيحة ويشتم ويتهمني اني نصاب وحرامي، ‏وانت عارف السوق ما فيش حاجه اسمها عايز فلوس دلوقت وعلشان اخلص منه ‏قلت له عليك وعلى المحكمة.
فقلت له : طيب هو راح المحكمة وانت كان عندك ‏وقت لرد حقوقه ليه لم تردها بدل كل هذا الوقت ؟
قال : كان لازم يتأدب ولا الاقي ‏كل يوم واحد جاي يتهجم عليه، ده سوق ! ضعف القانون وغياب الرقابة الاجتماعية.
سألته : الا تخشي ان يقبض عليك ‏وتتهم بالنصب او يتصادف ويحكم عليك بالسجن ؟
فقال : انا شغلي كله قانوني ولو انا ‏نصاب يعني السوق كله يبقي نصابين وبعدين الحكومة نفسها عارفه اوضاع السوق ‏انت فاكر هم غيروا قوانين الشيكات ليه، لان السوق كله شغال ورق وشيكات ‏وبعدين حتي لو صدر حكم فيه استئناف !
قلت : طب ما خلاص صدر حكم يعني ‏حتدخل السجن !!
ضحك وقال : لا لا لا ده حكم درجة اولى ولما تنفيذ الاحكام ‏يطلبني بابعت المحامي يستأنف ويوقف التنفيذ.
قلت : برده اهي سبقة !
ضحك ‏وقال : لا لا دي اسمها لعبة القانون يعني ورق على ما فيش !
سألت : يعني لو لي ‏عندك فلوس ومعايا شيك او وصل بخطك وبصمتك اخده بعد اد ايه بالمحكمة ؟!
ضحك وقال : حوإلى سنه ونصف.
قلت : وطول المدة دي الفلوس معاك وبتتمتع بيها ‏وبتستثمرها ومافيش عليك اي خطر او قلق ؟
قال ايوه.
سألت الرجل : طب بجد، لو البلد غيرت القانون وجابو جهاز كشف الخط يعني اروح ‏القسم اطلع الشيك والضابط يكشف على الشيك في الحال ويقبض عليك وغيروا ‏القانون وخلوا السداد مضاعف في حالة خيانة الامانة السوق حيعمل ايه ؟
قال : ‏يبقي اتحبسنا كلنا ـ (وضحك).
قلت : لا طبعا حيبقي فيه وقت كافي لتسوية الاوضاع ‏القديمة وفرصة كافية للمتعثرين !
قال الرجل : لو حيبقي القانون ده على الجميع ‏يبقي ما فيش مشكلة، بالعكس كلما زادت الامانة بين التجار كلما زادت التجاره وزمان ‏كانت التجارة بالكلمة وليست بالورقة والقلم بس كان فيه امانة وإذا كان التاجر له سمعته ‏وحشة محدش يتعامل معه. ياريت ياخويا البلد تطبق الكلام دة هو حد يكره ‏الامانه ! انت عارف لو حصل انا اول واحد حيكسب في السوق ده !
ضحكت وقلت : قصدك حيتحبس !
ضحك وقال : لا انا باتكلم جد انا لي عند التجار في ‏المحكمة شيكات بـ 1200000 جنيه، مش عارف احصل عليهم من سنتين، وعلي ‏شيكات في المحكمة بـ 350000 جنيه، شوف انت الفرق يبقي كام !
فقلت له : لا ده ‏مش بس انت حتكسب دي الناس كلها حتكسب والمحاكم بهذا المنظر حتفضى من ‏القضايا إلى ملهاش لازمة بس بتوع تنفيذ الاحكام حيخسروا لانهم مش حيسترزقوا.

وكان هذا هو حال الاجابات لكل الاسئلة التي دارت في ذهني فيما يتعلق بالناس (الوحشة) ‏الذين تكلم عنهم المسؤلون حسب ما نفهم من مصطلح (الناس الوحشة). ‏فكان تحليلي لهم ولاسباب (وحاشتهم) اما غياب العقيدة واما غياب الرقابة واما غياب ‏كلاهما معا، فيخرج الفرد اي فرد من نطاق السيطرة الاجتماعية إلى نطاق اللاسيطرة ‏الاجتماعية، وبذلك تكون إجابات المسؤولين في صحيحة وتعبر عن الواقع، لان الناس بهذا المنطق فعلا (وحشة) جدا.
راجعت نفسي مرة اخري وقلت لنفسي : الناس معذورين إلى حد ما، ولكن السؤال الأهم هو : كم هي نسبة الناس (الوحشة) للناس (‏الحلوة) ؟!
بالنسبة لي شخصيا، عرفت في حياتي تقريبا ألف شخص من مختلف الأجناس والأعمار، كان منهم بينهم حوإلى ‏ثلاثين شخصيا (وحشين) بالفعل، يعني نسبة 3% ممن عرفتهم. وهذه نسبة لا تسمح ولا لغيري بالتعميم بحيث نقول أن الناس كلها (وحشة)، وحتى لو كان (الوحشين) 10%، يعني 100 شخص، فهذا لا يعطينها الحق بأن نتهم الـ900 الباقين بـ(الوحاشة).
ومن هنا، كان لابد من أخذ التفكير في منحى آخر، فعدت أدراجي إلى تلك الأمثلة، وإلى كل من عرفتهم، فوجدتهم جميعا يحملون الرغبة الحقيقية في داخلهم لأن يكونوا أناسا صالحين، ولكن متى ما تسنت لهم الظروف، وهذه مسؤولية المجتمع والدولة.
ولكن المجتمع حتى يكون مجتمعا سليما، يحتاج بطبيعة الحال إلى تغيير جذري كبير، يحتاج إلى قوانين عادلة، وأشخاص يوضعون في المكان الصحيح، وإلى تطبيق مبادئ العدل والمساواة، وإلى تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ـ وما إلى ذلك من أمور لا يستقيم المجتمع إلا بها. وبعبارة أخرى، فإن مجتمعاتنا لا تملك غير خيار واحد لكي يعود لها طهرها ونقاوتها، وهو أن تعود لتسير على النهج الذي رسمه لنا القرآن الكريم وبينه وفصله لنا الرسول الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام، و (من يكره) ؟!

 0  0  1385
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:38 مساءً الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.