• ×

09:01 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ عجيب امرنا في العالم العربي بكل ما فيه من امكانيات بشرية ومادية وعقلية الا اننا نعلق كل الظواهر اجتماعية السلبية مهما اختلفت درجة خطورتها الي (غياب الوازع الديني وقلة الضمير وضعف الايمان) وبالتالي نوجه استجابتنا وردود افعالنا للتصدي لهذه الظواهر السلبية الي اتجهات باطنية لا يعلمها الا الله سبحانه وتعالي فلا يعلم ما بالنفس والسرائر الا هو عالم الغيب، ومن ثم لا نجد سبيل او استراتيجية للتعامل الا (الدعاء بالهداية والاصلاح وان يتدخل الله بمشيئته لتغيير ما في القلوب وتقوية الايمان) دون ان نبدا اي تفكير او دراسة لاسباب تلك الظواهر وبالتالي تكون الحجة الاكثر فاعلية لدي المسؤليين والقادة والحكام لتبرير تقاعصهم عن اصلاح ذات البين والمجتمع وتبريرهم لحالة الجهل والتخلف والفساد هي الالتصاق بقول (ان الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا انفسهم) وبالتالي يتقرر الامر الواقع بثبات تلك الاحوال حتي يقوم كل فرد في المجتمع بتغيير ما بنفسه وبهذا فاذا ما سأل فرد عن اسباب التخلف يرد المسؤل عليه بان هناك (افراد اخرين غير المتحدث) ليس لديهم وازع ديني وضعاف الايمان ، وبالتالي ندور حول حلقة مفرغة في طرح سؤال من هو المتسبب في ضعف المجتمع ؟ من هو المتسبب في هذه الحالة التي وصل اليها العالم العربي من التخلف والظواهر المدمرة من ضعف تعليم الي جريمة الي اخلاق ؟ حقيقة الامر انني لااستطيع الاجابة علي تلك الاسئلة الا انني لا املك الا الدفاع عن (الفرد في المجتمع) فاليكم مذكرة دفاعي .

■ متي يكون الفرد سبباً في ضعف المجتمع ؟
للإجابة على هذا السؤال يجب أولا طرح سؤال آخر وهو : ما الذى يدفع الفرد لمخالفة المعايير السلوكية الاجتماعية المتوقعة ؟
والإجابة البسيطة هي تعارض أهداف الفرد مع أهداف المجتمع، فيغلب على الفرد حب الذات والفردية فيختار تحقيق أهدافه عن تحقيق أهداف الجماعة إلا أن هذه الإجابة البسيطة فيها ظلم كبير وعظيم للفرد وفيها ضياع لحق المجتمع وتضليل وخداع له ويفترض ثبات الأهداف الاجتماعية وصدقها ومطابقتها لأهداف الفرد ويعتبر المتغير الوحيد القابل للتعديل والتحكم والسيطرة هو الأهداف الفردية وينفي أي تقصير أو إهمال أو ضعف في النظام الإداري للجماعة والمجتمع.
ورغم أن المجتمع هو الدافع الأساسي والمثير السلوكي للمخالفة المتمثلة والظاهرة في الفرد كحالة فردية ظاهرة إلا في الحالات الفردية الخاصة والتي وضع القانون لردعها، وسنحاول الإيضاح فيما يلي :
الفرد هو أساس المجتمع، والأهداف الاجتماعية ما هي إلا أهداف فردية تحقق سعادة الفرد وتسعي إلى تحقيق آماله وطموحاته والفرد في أي جماعة ملتزم بمنهج الجماعة طالما تحقق له أهدافه الفردية, إلا أن العلاقة بين الفرد والجماعة كالعلاقة بين سائق العربة ومنظم المرور على أساس أن الفرد هو السائق والمنهج الاجتماعي هو منظم المرور فلو تخيلت نفسك سائق في الطريق لك هدف تريد الوصول له وأنت متفق ومقتنع وملتزم بان هذا الشرطي هو الوسيلة الوحيدة لوصولك للهدف بسلام فهو يوجهك للطريق الصحيح ويمنعك من خطر التصادم بالآخرين ويمنع الآخرين من الاصطدام بك ويسمح بالانسياب المروري حتى لا يحدث تعطيل للطريق بسبب الازدحام فتتأخر عن الهدف، ومع كل هذه الفوائد والمساعدة في تحقيق هدفك إلا انه كثيرا ما يحدث أن تكون متأخر عن موعد طائرة مثلا ويكون الطريق خالي وآمن من وجهة نظرك وتضطر للوقوف بالإشارة ويتسبب ذلك في عدم لحاقك بالطائرة .. وفي هذه اللحظة تتعارض أهدافك مع أهداف منظم المرور (المجتمع) ويكون عليك الاختيار إما تحقيق هدفك أو تحقيق هدف المجتمع ونظرا لاتصاف السلوك البشري بالذاتية وحب النفس واتباع هوى النفس فيكون عليك الاختيار بين الالتزام والمخالفة. وهنا تظهر الأسباب الرئيسية للمخالفة وتحول الانحراف السلوكي إلي صفة مرضية لأنك لو قررت مخالفة المرور لتحقيق أهدافك الشخصية فهناك خمسة احتمالات :
● فإما أن تجد شرطي المرور واقف أمام سيارتك فلا تستطيع التحرك .
● وإما أن تتحرك فيلاحقك شرطي المرور ولا تحقق هدفك .
● وإما أن تتحرك فتصطدم بعربة نتيجة للسرعة وتصاب بأضرار ولا تحقق هدفك .
● وإما أن تتحرك وتحسب عليك مخالفة مرورية تتحملها وتحقق هدفك .
● وإما أن تتحرك وتصل بسلامة وتحقق هدفك دون أية أضرار وبيسر وسهولة فيكون السبب في المخالفة والانحراف السلوكي هو الفرد والمنظم للمرور (المجتمع) معاً ولكن من الطبيعي أن يتوقع المجتمع المخالفة الناتجة من تعارض الأهداف الاجتماعية والفردية وعلى هذا فسلوك الفرد متوقع من رجل المرور ومهمة رجل المرور الأساسية هي منع السائق من ممارسة هذا السلوك. وبهذا بالمنطق، فإنه في حالة تمكن الفرد من المخالفة يكون السبب الرئيسي والأساسي للانحراف السلوكي هو ضعف أو غياب الرقابة والسيطرة من منظم المرور (المجتمع) كحالة فردية وقتية، ولكن بتكرار الحالات يتحول الانحراف السلوكي إلي مرض سلوكي فإذا تخيلت نفسك في إشارة مرور وبجوارك عدد كبير من السائقين ولكل منهم أهداف فردية وكلهم واثقين ومعتقدين في فائدة رجل المرور لهم ولأهدافهم فمع ذلك فمن المتوقع أن تجد فيهم حالات تتعارض أهدافها مع أهداف رجل المرور (المجتمع) وتقوده دافعيه للمخالفة وهذا على مستوي مجموعة تتفق مع المجتمع في أهدافه وتؤمن بها.
وإذا عدنا لنفس المثال السائق في الإشارة ولكن في هذه الحالة اتفقت أهداف السائق مع أهداف المجتمع ولكن وجد رجل المرور يسمح للبعض بالمرور ويمنع البعض الآخر أيا كانت الأسباب والدوافع نظير مجاملة أو رشوة أو أي نوع من أنواع الإهمال والفساد، ورغم أن السائق ملتزم بالأهداف المرورية إلا انه قد يقوم بالمخالفة للتقليد أو المحاكاة أو قد يجبر على المخالفة تحت ضغط العربات المحجوزة خلفه أو للتعديل الوقتي لاتجاهاته وتولد رغبة في سرعة الوصول لهدفه. وهنا تكون المخالفة فردية بسبب الفرد والمنظم للمرور لأن مخالفة الفرد متوقعة ولها نظم ضبطها فيكون السبب الأساسي والوحيد هو ضعف أو غياب الرقابة والسيطرة. وهكذا كلما تعددت حالات الانحراف تحول إلي مرض سلوكي، وعلى المستوي الفردي، تمثل كل حالة مخالفة أو انحراف سلوكي خبرة سلوكية جديدة مضافة للفرد تختلف في قوة تأثيرها على السلوك بحسب قوة النجاح وإشباع الرغبة وتحقيق أهدافه، وبحسب عدد مرات تكرارها حتى تتحول إلي عقيدة ومبدأ واتجاه له القدرة على التحكم في دوافع الفرد السلوكية وصفاته. ويتضح من تعميم المثال السابق على العلاقة بين أهداف الفرد والمجتمع أن الدافع للمخالفة والانحراف السلوكي الفردي هو تعارض الأهداف العامة والخاصة والخبرة السلوكية للفرد نفسه الناتجة من ممارسة التفاعل الاجتماعي. إما السبب الرئيسي والوحيد لتحفيز الدافع والسلوك المخالف هو غياب الرقابة الهادفة للردع والاكتشاف والمنع والضبط والتقويم لحالات الانحراف والمخالفة منذ بدئ تكونها وطول مدة تطورها والتي هي عنصر أساسي من عناصر نظام الضبط الاجتماعي لأي مجتمع متبع لمنهج اجتماعي محدد.
وقد يقحم البعض الحالة الاقتصادية وآثارها السلبية على السلوك الفردي والاجتماعي في أسباب الانحراف السلوكي, ولذلك يجب إيضاح موقف الحالة الاقتصادية من المجتمع, فبالرجوع إلي بدء تكوين أهداف المنهج الاجتماعي أو عند تحديد أهداف المجتمع فالحالة الاقتصادية هي محدد لطموح أفراده، توضع في الاعتبار عند تحديد الأهداف. فعلى سبيل المثال إذا كان المجتمع فقير قليل الموارد فهذا يعني أن الفرد فقير قليل الموارد قليل الاحتياجات واتفق فيما بين أفراد المجتمع على أهداف التقشف وبذل الجهد والعمل والتقليل من الاستهلاك وزيادة الإنتاج. وتوضع النظم الإدارية للمجتمع على هذا الأساس ويكون هدف الفرد هو نفسه هدف المجتمع ولا تعارض بينهم إلا في أضيق الحدود الموضحة سابقا، وتكون كل نظم التنشئة الاجتماعية والتربية ونظم الضبط الاجتماعي والسيطرة والرقابة والقوانين ساعية لمساعدة الأفراد في تحقيق هذه الأهداف ويكون الشكل النهائي للمجتمع فقير قليل الموارد إلا انه غير منحرف سلوكيا وغير مريض سلوكيا وليس لديه ظواهر اجتماعية مرفوضة تؤثر على نموه وتقدمه. وبذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال إرجاع أسباب ضعف المجتمع إلي سلوك أفراده أو التسليم بان الانحراف السلوكي طبيعة خاصة بشعب معين أو أفراد مجتمع معين أو التسليم والاقتناع بان الانحراف السلوكي والظواهر الاجتماعية ليست خارجة عن نطاق السيطرة والتحكم أو أن السبب راجع للحالة الاقتصادية وضعف الموارد أو أي من هذه الاتجاهات السلبية التي تعيق تقدم المجتمعات، والتي تعيق المجتمعات من تعديل وتطوير مناهجها الاجتماعية، إذ الفرد في حد ذاته لا يكون سبب في ضعف المجتمع إلا بضعف المنهج الاجتماعي المتبع، ولكن قد يمثل الفرد انحرافاً اجتماعياً وقد يكون منحرفا سلوكيا وفاشلا وعبئا على المجتمع ولا يسبب ضعفا إلا إذا سيطر على الجماعة وتمكن من التأثير المباشر على أفراده لنقل العدوى المرضية السلوكية في غياب نظم الرقابة الاجتماعية والقانون.

 0  0  2502
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:01 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.