• ×

03:05 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ د. صالح محمد العليان.
■ تعريف الجودة :
الجودة من (أجاد) أي أحسن. يقال (فلان تكلم فأجاد، أي تكلم فأحسن. فلان عمل فأجاد أي عمل فأحسن)، وعكسه (تكلم فأساء وعمل فأساء).
والجودة تعني : الاتقان كما تعني في مستوياتها العالية التفوق والإبداع.
والجودة هي : نتيجة الاهتمام أساساً بالكيف والنوع لا بالكم.
والجودة في المصطلح الحديث : ارتبطت ـ إجمالاً ـ بالجوانب الاقتصادية والتنظيمية (الجودة الإدارية) (الجودة التصميمية) (الجودة الصناعية) (الجودة الزراعية)، والجودة في هذه المجالات باتت محكومة بمواصفات ومعايير ومقاييس، ولم تعد خاضعة للمزاج والذوق الشخصي، وبالتالي فإن الإنتاجية الجيدة باتت تحتاج إلى شهادة جودة من شركات ومؤسسات نشأت لهذه الغاية.
وقد جاء في كتاب (إدارة الجودة الشاملة) للدكتور عادل الشهراوي ما يوضح (نظام الجودة ومواصفاتها القياسية الدولية آيزو 9000) بالنسبة لأي إنتاج.

● الإسلام والجودة :
قد لا أكون مبالغاً إذا قلت إن الإسلام ـ عقيدة وشريعة وأخلاقاً ـ وكفلسفة للكون والإنسان والحياة، هو كمال الجودة وتمامها. ومن خلال ذلك نفهم البعد اللانهائي في قوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) (المائدة : 3).
وكيف لا يكون الإسلام كمال الجودة والإبداع وهو دين الله (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (117) ـ البقرة).
(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (101) ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104)) (الأنعام).
إن الإبداع البشري هو أثر ومظهر من آثار ومظاهر الإبداع الرباني، بل إنه وظيفة تكليفية ومسؤولية شرعية وليس خياراً بشرياً قبله الإنسان أو رفضه : (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)) (القيامة).

● الجودة والإحسان :
وإذا كانت الجودة مظهر من مظاهر الإحسان ونتيجة من نتائجه فإن الإسلام دعوة مطلقة إلى الإحسان : (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ) (البقرة : 138).
وفي قوله تعالى : (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (هود : 7) إشارة واضحة إلى أن الجزاء يتعلق بكيفية الأداء كائناً ما كان هذا الأداء، وكذلك في قوله تعالى : (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الكهف : 7) وفي قوله تعالى : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك : 2).

● الإنسان الذي أبدع الله خلقه مدعو إلى الإبداع :
إن من الشكر لله على إبداع خلقه يفرض على الإنسان أن يكون محسناً مبدعاً في عمله وصنعته ومهنته كائناً ما كانت. ففي قوله تعالى : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (4 ـ التين) دلالة واضحة على جودة الخلق وإحسان الخالق وإبداعه، وكذلك في قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) (المؤمنون).

● الإسلام يدعو إلى الجودة :
إن من البديهي أن يدعو المبدع إلى الإبداع وأن يحض المحسن إلى الإحسان وهذا شأن منهج الله في دعوته الإنسان إلى الجودة والإبداع والإحسان وصدق الله تعالى حيث يقول : (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ) (النساء : 125)، ويقول تعالى : (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة : 83).
وفي الخطاب النبوي دعوة واضحة بينة إلى الجودة والإتقان والإبداع والإحسان، مثال ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام : "إن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن" رواه البيهقي، وكذلك في قوله عليه الصلاة والسلام : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" للبيهقي. ولكم أعجبني ما أورده الأستاذ عبد الرحمن حبنكه الميداني في كتابه (العقيدة الإسلامية وأسسها) حيث أصاب كبد الحقيقة (راجع الكتاب المذكور).

● شمولية المنهج وشمولية الجودة :
إن شمولية المنهج الإسلامي وتغطيته لكل جوانب الحياة توكبها دعوة إلى الجودة والإتقان على نفس الامتداد والإتساع وبذلك يكون الإسلام منهج الشمولية والجودة والإتقان في عموميات الحياة وفروعها وتفاصيلها.

● الإسلاميون والجودة :
قد ينتظر البعض أن يكون الكلام عن المسلمين والجودة وقد يستغرب آخرون حصر الكلام عن الجودة بالإسلاميين. وللجواب على ذلك أقول إن مطالبة الخاصة يجب ان تسبق مطالبة العامة، فإن غابت الجودة في النخبة، فبديهي أن تكون معدومة في الدهماء. فبقدر الموقع يكون التكليف، وبقدر الإدعاء تكون المسؤولية. من هنا كان الإسلاميون مطالبين بإعطاء المثل الأعلى في الإتقان والجودة، لأن في ذلك نجاحهم في الدنيا وفلاحهم في الآخرة.
ومن هنا يجب أن نعترف كإسلاميين أننا على جانب كبير من التقصير في الأخذ بأسباب الإتقان والجودة في كل جوانب عملنا. نحن كإسلاميين طالبون بأن نحتكم إلى موازين ومقاييس ومعايير الجودة التي لفت إليها، أو أشار إليها، أو حددها، أو أوجبها، أو حض عليها، أو فرضها الدين القيم الذي ندعو الناس إليه ؟!
نحن مطالبون بأن نتقن عبادتنا وأخلاقنا وأعمالنا، وأن نحسن في أقوالنا وأفعالنا وخطابنا وأدائنا، وأن نتميز في موافقنا وسياساتنا وعلاقاتنا وأن نتطور في تخطيطنا وتنظيمنا وإدارتنا، وأن نتقدم في إنتاجنا وعطائنا.
إن الإتقان والتقدم والتطور المؤدي إلى الجودة يحتاج إلى التأهيل والتدريب كما يحتاج إلى العلم والخبرة، وبلوغ القمة يحتاج إلى الهمة والإرادة كما يحتاج إلى الثقة والإيمان.
وصدق الشاعر حيث يقول :
قد رشحوك لأمر لو فطنت له ● ● ● فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل


● جوانب الجودة في المنهج الإسلامي.
لصحة العقيدة وجودتها يشترط ما يلي :
إفراد الله تعالى في الألوهية والعبودية والحاكمية.
تنزيه الإيمان عن أي شرك حتى (الرياء) مصداقاً لقوله تعالى.
التعرف على الله من أسماء وصفات تليق بجلاله، مصداقاً لقوله عليه الصلاة والسلام "لله تسعة وتسعون اسماً ـ مائة إلا واحداً ـ لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" رواه البخاري ومسلم.
التعرف على سنن الله تعالى في الكون والإنسان والحياة.
التفكر في خلق الله وليس في ذاته، امتثالاً لقوله عليه الصلاة والسلام : "تفكروا في خلق الله، ولا تتفكروا في ذات الله، فإنكم لن تقدروه قدره" رواه أبونعيم الأصباني.
أما صفات الله تعالى فقد أشارت إليها آيات كثيرة من القرآن الكريم .. والمطلوب اعتماد رأي السلف فهو أولى بالاتباع حسماً لمادة التأويل والتعطيل، وعدم الحكم بكفر أو فسوق لتأويل الخلف.
وبديهي أن تكون أركان الإيمان شهادة الجودة في صحة العقيدة، وهي : الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى.

● ولصحة العبادة وجودتها يشترط ما يلي :
أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن (الإحسان) فقال : "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" متفق عليه. فللصلاة شروط لوجوبها وهي (الإسلام، والبلوغ، والعقل، والطهارة) ولها شروط لصتحها وهي : (الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، الوضوء، ستر العورة، العلم بدخول الوقت، واستقبال القبلة) كما أن للصلاة أركاناً هي : (النية، القيام مع القدرة، تكبيرة الإحرام، قراءة الفاتحة، الركوع، الطمأنينة في الركوع، الاعتدال في الركوع، الطمأنينة في الاعتدال، السجود، الطمأنينة في السجود، الجلوس بين السجدتين، الطمأنينة في الجلوس، الجلوس الأخير، التشهد، الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام)، واعتماد الترتيب المذكور اتباعاً لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام حيث يقول : "صلوا كما رأيتموني أصلي" ثم هنالك سنن للصلاة بعد الدخول فيها وكل هذا يتعلق بالجانب العملي والتنظيمي للصلاة إنما هنالك جوانب أخرى "عقلية وقلبية" لا بد من تحقيقها ضماناً للجودة، ولقبول الله تعالى لها من ذلك :
حضور العقل : لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليس للإنسان من صلاته إلا ماعقل منها".
حضور القلب : لقول رسول الله عليه الصلاة والسلام : "لا ينظر الله إلى الصلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه" مسند الفردوسي، وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه قال : "كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع" وهذا مناط قوله صلى الله عليه وسلم : "كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب" للنسائي.

● العبرة :
هذه بعض الجوانب والصفات والشروط المطلوبة لصحة الصلاة، ولقبولها من الله جل وجلاله وكلها تؤكد على وجوب جودة الأداء وإتقان الممارسة. إنها نفس المنهجية المعتمدة في كل جانب من جوانب الإسلام كما سنرى ثم إن للصلاة أهدافاً يجب تحقيقها، وتتمثل في الارتقاء بالإنسان في مدارج الكمال البشري (عفة واستقامة وأخلاقاً وشفافية) مصداقاً لقوله تعالى، ومن هنا كان قوله عليه الصلاة والسلام : "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً".

● في العبادات الأخرى :
وكما أن للصلاة شروطاً ومعايير ومواصفات كذلك الحال في الصيام والزكاة والحج ويمكن مواجعة ذلك كتب الفقه وكتب (التزكية) ولا أرى لزوماً لتناولها في هذا المقام حرصاً على الاختصار والتوازن.

● ولجودة قراءة القرآن يشترط التالي :
إدراك فضل قراءة القرآن ومقام التالين والسامعين لآياته :
وفي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : "عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء" لابن حيان.
(إن هذا القرآن (مأدبة الله) فاقبلوا مأدبته ما استطعتم. إن هذا القرآن حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع. عصبة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد، أتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته، كل حرف عشر حسنات. أما إني لا أقول لكم (الم) حرف، ولكن ألف ولام وميم) رواه الحاكم.
التزام أحكام القرآن (حرامه وحلاله) وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام حيث يقول : "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه" للترمذي.
استجلاب الخشوع والحزن، لقوله عليه الصلاة والسلام : "إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فتحازنوا" رواه أبو نعيم في الحلية.
إحسان التلاوة وتجميل الصوت لقوله عليه الصلاة والسلام : "جملوا القرآن بأصواتكم" وقوله : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" وقوله : "إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذ سمعته يقرأ، رأيت أنه يخشى الله" رواه ابن ماجة.
والحقيقة أن الإنسان ليقف مبهوراً أمام هذا الحرص الرباني والنبوي في التعامل مع كتاب الله عز وجل، للوصول إلى منتهى درجات الجودة والإتقان، وهكذا يتكرر الموقف في كل أمر من أمور الدين والدنيا.

● الجودة في التجارة من خلال الأدلة التالية :
قوله صلى الله عليه وسلم : "التاجر الأمين الصدوق، مع النبيين والصديقين والشهداء" للترمذي.
وقوله : "يا معشر التجار : إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى وبر وصدق" للترمذي.
وقوله صلى الله عليه وسلم : "إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق" لمسلم والنسائي.
وقوله : "الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب" للبخاري.
وقوله صلى الله عليه وسلم : "البيعان بالخيار ما لم يفترقا. فإن صدقاً وبينا، بورك لهما في بيعها، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما".
وفي رواية أخرى للبخاري يقول صلى الله عليه وسلم : "رحم الله رجلاً سمحاً إذا (باع) سمحاً إّذا (اشترى) وإذا قضى".
ويقول صلى الله عليه وسلم : "إن الله يحب سمح البيع، سمح القضاء" للترمذي.

● إتقان العمل ثمرة الإحسان.
الإنسان المسلم يفترض فيه أن تكون شخصيته إيجابية، مقبلة على الحياة، متفاعلة معها، ولأن الإنسان المسلم مطالب باستيفاء شروط الخلافة في الأرض والسعي في مناكبها عبادةً لله، وإعماراً للأرض، واستفادة مما فيها من ثروات وخيرات لا يصل إليها إلا بالعمل والعمل الجاد.
لذلك كانت مطالبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتقن الإنسان عمله : (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) [1] فالإتقان سمة أساسية في الشخصية المسلمة يربيها الإسلام فيه منذ ان يدخل فيه، وهي التي تحدث التغيير في سلوكه ونشاطه، فالمسلم مطالب بالإتقان في كل عمل تعبدي أو سلوكي أو معاشي؛ لأن كل عمل يقوم به المسلم بنيّة العبادة هو عمل مقبول عند الله يُجازى عليه سواء كان عمل دنيا أم آخرة، قال تعالى : (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) [الأنعام: 162-163].
وتتمثل عملية الإتقان في تعلُّم المسلم للصلاة وأدائها بأركانها وشروطها التي تدرّب المسلم على الإتقان المادي الظاهري، بل على الإتقان الداخلي النفسي المتمثل في مراقبة الله عز وجل والخوف منه، فهل نحن نربي الآن في مجتمعنا المسلم الشخصية المسلمة التي تهتم بإتقان أمور الحياة كلها ؟ فردية أو جماعية ؟ وهل سبب تخلفنا وتأخرنا يرجع إلى فقدان هذه الخاصية ؟ وما قيمة الشعائر والوسائل التعبدية التي لا تغير في سلوك الإنسان ونمط حياته ووسائل إنتاجه ؟
إننا نفتقد التربية الأسرية والمدرسية والاجتماعية التي تجعل عمل الإتقان في حياتنا مهارة داخلية تعبر عن قوة الشخصية التي تكسب الإنسان الاتزان والثقة والاطمئنان والتفرد إلى جانب اكتساب المهارة المادية والحركية.
إننا مطالبون بترسيخ هذه القيمة التربوية الحياتية في واقعنا وسلوكنا ؛ لأنها تمثل معيار سلامة الفرد وقوة شخصيته وسمة التغيير الحقيقي فيه، كما أننا مطالبون ببذل الجهد كله في إتقان كل عمل في الحياة يطلب منا ضمن واجباتنا الحياتية أو التعبدية.
وعادة الإتقان تكسب الأمة المسلمة الإخلاص في العمل لارتباطه بالمراقبة الداخلية، كما أنها تجرد العمل من مظاهر النفاق والرياء، فكثير من الناس يتقن عمله ويجوّده إن كان مراقباً من رئيس له، أو قصد به تحقيق غايات له أو سعى إلى السمعة والشهرة لأنه يفتقد المراقبة الداخلية التي تجعله يؤدي عمله بإتقان في كل الحالات دون النظر إلى الاعتبارات التي اعتاد بعضهم عليها.

● ظاهرة حضارية :
والإتقان كما قلنا هدف تربوي، ومن أسس التربية في الإسلام، لأن الإتقان في المجتمع المسلم ظاهرة سلوكية تلازم المسلم في حياته، والمجتمع في تفاعله وإنتاجه، فلا يكفي الفرد أن يؤدي العمل صحيحاً بل لا بد أن يكون صحيحاً ومتقناً، حتى يكون الإتقان جزءاً من سلوكه الفعلي.
والإتقان في المفهوم الإسلامي ليس هدفاً سلوكياً فحسب، بل هو ظاهرة حضارية تؤدي إلى رقي الجنس البشري، وعليه تقوم الحضارات، ويعمر الكون، وتثرى الحياة، وتنعش، ثم هو قبل ذلك كله هدف من أهداف الدين يسمو به المسلم ويرقى به في مرضاة الله والإخلاص له لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، وإخلاص العمل لا يكون إلا بإتقانه.
ولعلنا نلحظ أن من أسباب التخلف في المجتمعات الإسلامية افتقادها خاصية الإتقان كظاهرة سلوكية وعلمية في الأفراد والجماعات، وانتشار الصفات المناقضة للإتقان كالفوضى والتسيب وفقدان النظام وعدم المبالاة بقيمة الوقت واختفاء الإحساس الجمعي والإهمال والغش والخديعة، وهذا منعكس في فقدان المسلمين للثقة في كل شئ ينتج في بلادهم مع ثقتهم في ما ينتج في غير بلاد المسلمين.
والشباب المسلم يتعرض للكثير من المخاطر بفقدان هدف الإتقان في المناشط المتعلقة به بينما كان المسلمون الأوائل يحرصون على تعليم الشباب إتقان العمل حتى كان طالب الطب مطالباً بتحسين خطه وإتقانه قبل أن يتعلم مهنة الطب، ليكون الإتقان سمة خلقية سلوكية، وقيمة إنسانية.
وصفة الإتقان وصف الله بها نفسه لتنقل إلى عباده (صنع الله الذي أتقن كل شئ) (النمل : 88).
هناك علاقة متداخلة بين الإتقان والإحسان غير أن الإتقان عمل يتعلق بالمهارات التي يكتسبها الإنسان بينما الإحسان قوة داخلية تتربى في كيان المسلم، وتتعلق في ضميره وتترجم إلى مهارة يدوية أيضاً، فالإحسان أشمل وأعم دلالة من الإتقان، ولذلك كان هو المصطلح الذي ركز عليه القرآن والسنة، وقد وردت كلمة الإحسان بمشتقاتها المختلفة مرات كثيرة في القرآن الكريم، منها ما ورد بصيغة المصدر اثنتي عشرة مرة، بينما وردت كلمة المحسنين ثلاثاً وثلاثين مرة، وبصيغ اسم الفاعل أربع مرات، واللافت للنظر أنها لم ترد بصيغة الأمر إلا مرة واحدة للجماعة : (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) (البقرة : 195).
وكما ذكر الأستاذ سعيد حوى في كتابه جند الله ثقافة وأخلاقاً : إن الإحسان ذو جانبين، عمل الحسن أو الأحسن ثم الشعور أثناء العمل بأن الله يرانا أو كأننا نراه، وهذا هو تعريف الرسول صلى الله عليه وسلم للإحسان بأن (تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فالإحسان مراقبة دائمة لله، وإحساس بقيمة العمل، وعلى هذا تندرج كل عبادة شرعية، أو سلوكية أو عائلية تحت مصطلح الإحسان الذي يعني انتقاء الأحسن في كل شئ فالشخصية المسلمة تتميز بالإحسان الذي يرتبط بالتقوى وعبر عنه كمرحلة سامية من مراحل الإيمان المصاحب للعمل، يقول تعالى : (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) (المائدة : 93).
فإذا كان المسلم مطالباً بالعبادة، والعمل المترجم للإيمان فإنه مطالب دائماً بالإحسان في العمل والحياة، غير أن هناك تفاوتاً في مجالات الإحسان حيث ركز القرآن الكريم، في طلب الإحسان في أمور منها : الإحسان إلى الوالدين، مع دوام الإحسان في كل شئ، يقول الله تعالى : (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخورا) (النساء : 36).
فالإحسان بنص هذه الآية انفتاح على قطاعات كثيرة في المجتمع، يطالب المسلم بالتعامل معها والتفاعل على أساس من التقوى والحرص على الجماعة حتى يكون الجهد المبذول في سبيل الإحسان إليها ذا قيمة اجتماعية يراعى فيها رضاء المولى عز وجل لقوله تعالى : (وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً) (النساء : 128).
والرسول صلى الله عليه وسلم يربط بين الإتقان والإحسان فيقول : (إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)، فالإحسان هنا مرادف لكلمة الإتقان، وقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يزرع بذلك الرحمة في قبل المسلم ويكسبه عادة الإتقان في العمل حتى ولو لم يكن للعمل آثار اجتماعية كالذبح الذي ينتهي بإتمام العمل كيفما كان.
وأول عمل يتطلب الإتقان في حياة المسلم هو الصلاة حيث يطالب بها في السابعة ويضرب عليها في العاشرة، فإذا وصل مرحلة الشباب والتكليف كان متقناً للصلاة مجوداً لها محسناً أداءها، فالمسلم في الصلاة يتقن عدداً من المهارات المادية والمعنوية، فإقامة الصلاة و ما يطلب فيها من خشوع واستحضار لعظمة الخالق، وطمأنينة الجوارح، وتسوية الصفوف، ومتابعة الإمام، ثم ممارسة الصلاة خمس مرات في اليوم كل هذه من الممارسات التي تتطلب التعود على الإتقان حتى تنتقل هذه العادة من الصلاة إلى سائر أعمال المسلم اليومية دنيوية أو أخروية.
إن الإحسان دعوة إلى إيجاد الشخصية المثلى، الشخصية التي اتجهت حركة المجتمع وجهود التربية إلى إيجادها، هذه الشخصية تمثل المثالية التي تحققت في واقع المجتمع المسلم في الماضي، ويمكن أن تتحقق في واقعنا إذا توافرت الشروط الموضوعية لتحقيقها.
وقد اختصر القرآن الكريم الصورة الإنسانية المثالية في آية واحدة؛ يقول تعالى : (وقولوا للناس حسنا) (البقرة : 83)، وللوصول إلى شخصية المسلم التي تحققت فيه معاني الإحسان نرى أن الأمر يحتاج إلى مجاهدة شديدة للنفس تتحقق فيها كثير من الصفات، منها قول الله تعالى : (الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) (آل عمران : 134).
ولأن الإحسان مجاهدة وجهاد يقول سبحانه وتعالى : (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) (العنكبوت : 69) وقد وصف الله سبحانه الأنبياء جميعاً بأنهم من المحسنين الذين يستحقون حسن الجزاء عند الله لأنهم كانوا يجاهدون أنفسهم خوفاً من الله وتقوى، يقول الله تعالى : (إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) (الذاريات : 17-19).
وإلى جانب المجاهدة هناك وسيلة أخرى لاكتساب صفة الإحسان وهي الإقبال على الله بالطاعة والعبادة والذكر، يقول الله تعالى : (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) (الإسراء : 7).
والإحسان في أمور الدنيا يشمل الحياة كلها إذ إن الحياة لاتنموا ولا تزدهر، والحضارات لا تبنى ولا تتقدم إلا بالإحسان، إحسان التخطيط وإحسان التنفيذ وإحسان التقدير (إن الله كتب الإحسان على كل شئ) والمسلم لا يتربى على الإحسان إلاّ إذا قصد الإحسان في تفاعله مع المجتمع، ليس بقصد اللياقة الاجتماعية المظهرية؛ بل بقصد مراعاة حق الإنسان وحق الأخوة الإسلامية في إحسان التعامل على قاعدة من الأمانة والصدق والإخلاص والتقوى والمسؤولية الاجتماعية المتجذرة في وجدانه وكيانه.
الإحسان إيجابية، والمسلم مطالب بان يكون الإحسان هدفه وغايته لأن الله يأمر بالعدل والإحسان قولاً وعملاً، يقول تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) [الإسراء 53]، ويقول تعالى : (ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) (التوبة : 121)، وكذلك فإن الإسلام توجه في تربيته إلى مجتمع العمل ليكون متقناً كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل الإسلام العمل المعيار الأوحد لما يكسبه الإنسان في الحياة، وجعل إتقان العمل عبادة تحبب العامل إلى الله، وتحقق له سر استخلافه ووجوده، فالمجتمع العامل هو المجتمع المنتج الذي يعتمد أفراده في كسبهم على جهدهم العضلي والفكري، لذلك دعا الإسلام إلى العمل وباركه وجعل له جزاء في الآخرة مع جزاء الدنيا.
كما أن الإسلام يحرم استغلال الإنسان، وسلب جهده وطاقته، كما أكد الإسلام على حق العامل في ملكية أجره وحمايته والوفاء له والتعجيل بإعطاء الأجير حقه قبل أن يجف عرقه، بل جعل الإسلام كل عمل يقوم به المسلم طاعة لله إذا قصد مصلحة البشر وأتقنه وأخلص فيه، وجعل العمل عبادة وقربى يعتبر من أعظم الدوافع لبذل الجهد وكثرة الإنتاج، وفي المقابل حرم الإسلام البطالة وعابها فجعل اليد العليا خيراً من اليد السفلى وحض على العمل، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه).

والمشكلة أننا نقر هذه المبادئ نظرياً ونحدث عنها كثيراً، ولكننا لا نترجمها في واقع مجتمعنا الذي يتميز بضعف الإنتاج، والتهرب من العمل، وعدم الإتقان بل يحمل قيماً فكرية نحو العمل مخالفة لمفهوم الإسلام.
مجتمعنا يحتاج إلى تغيير جذري في مفاهيم العمل وأهمية الإنتاج ويحتاج إلى تعليم مكثف لأهمية الإتقان لكل عمل يقوم به، فنحن لا نتعلم من ديننا ولا نتعلم من غيرنا، وتربيتنا الأسرية والمدرسية والحياتية لا تقوم على أهمية أن تعمل، وتكد وتجتهد وتبني في الحياة بل إن مفاهيم خاطئة لا تفرق بين التكافل كقيمة حياتية، والتواكل والتكاسل كعيوب سلوكية وحياتية، وإلى الآن لم توضع البرامج التي ستغير من أساليب العمل.
ومفاهيم الإنتاج في المستقبل والتعليم العام والجامعي في بلادنا يدلان على أننا لا نسعى لتغيير هذا المجتمع إلى الأفضل والأحسن، وسنظل عالة على غيرنا نستهلك ما يصنعون وينتجون ونمارس فضيلة المناقشة والجدال والتنظير والتجديد للشعارات والأماني وأحلام اليقظة التي أدمنها مجتمعنا.
والمجتمع المتعلم هو المجتمع الذي يبشر بالحضارة والرفاهية والنظام والتخطيط والإنتاج والازدهار، وهو المجتمع المعصوم من الفوضى والتسيب، والمبرأ من الأمية والجهل والخرافة، وكل مظاهر التخلف الحضاري والعلمي، وهو المجتمع الذي يربط الأسباب بالمسببات، والنتائج بالمقدمات، ويكتشف قوانين الله في الكون، ويحسن التعامل معها والاستفادة منها، وأول آيات الوحي كانت دعوة إلى المجتمع المتعلم المعتمد على المنهج العلمي.
والمنهج العلمي الذي أصله المسلمون وعممه علماء الحديث، وقبل ذلك وضع أساسه القرآن الكريم هذا المنهج هو الذي أوجد مجتمع العلم والحضارة وكان سر التقدم وبناء العقلية المسلمة على منهجية العلم والإيمان.
والذين يظنون أن أكثر المؤسسات الفارغة من المضامين العلمية الحقيقية يمكن أن تحدث تغييراً في المجتمع ـ هؤلاء واهمون ـ لأن هذا النوع من التغيير سيكون تغييراً شكلياً مظهرياً أجوف لا قيمة له في الحياة ولا أثر له في عملية التنمية والتقدم وسنظل نحرث في البحر ونضرب في حديد بارد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- رواه ابو يعلى عن عائشة رضي الله عنها في مجمع الزوائد، كتاب الإيمان، ج 4، ص 98 والجامع الصغير للسيوطي، ج 1، ص 177.
2- متفق عليه : صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، ح رقم 48، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ح رقم 9.
3- سنن الترمذي، كتاب الديات باب ما جاء في النهي عن المثلة، ح رقم 1329.
4- البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستحقاق في المسألة، ح رقم .1378
5- أ.د. عباس محجوب، إتقان العمل ثمرة الإحسان (مقال).

 0  1  3064
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:05 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.