• ×

03:06 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ معشوقتي التي أبحث عنها تحبها كل المخلوقات وتتجمع فيها من كل مخلوق أحسن ما فيه من الصفات. بحثت عنها طويلاً وسألت كل من أعرف فلم أجد من يرشدني إليها من البشر ! فقررت أن أتجه بالسؤال عنها إلى الكون الفسيح بـ (شجره، وطيره، وكائناته، ومائه، وزهره).
بدأت بـ (الأسد) لأنه كما يقال : ملك الغاب
أتيته وسألته عنها ؟
فقال لي : هي التي سلبتني هيبتي وسطوتي على القلوب فلا يراها أحد إلاّ خرّ صريعا مهابة منها.
فقلت له : أخبرني من هي ؟
قال لي : لا أستطيع أن أبوح باسمها ؛ لأنني وبمجرد أن أحاول أن أذكرها يعجز لساني عن نطقها مهابة ورهبة منها، ولكن إلحق بتلك الغزالة واسألها فلعلها تستطيع أن تجيبك.
فاتجهت مهرولا نحوها
وقلت لها : مهلا أيتها الغزالة هل لي من وقتك بلحظات ؟
قالت : أنا طوع أمرك.
فقلت لها : أنا من شفه الوجد والهوى أتيت أسأل عن معشوقة لي تحبها كل الكائنات وفيها من كل مخلوق أحسن ما فيه.
فقالت : نعم لكنك تسأل عمّن سرقت مني جمال قوامي وخفة حركتي وكل مقومات جمالي فبت لا ينظر إلي أحد.
قلت : نعم أرجو أن تخبريني من هي ؟
قالت : لا أستطيع ذلك ؛ لأن بيني وبينها ثأر وأقسمت أن لا أذكر اسمها ماحييت، ولكن اذهب إلى النهر واسأله فلعله يستطيع أن يخبرك باسمها.
واتجهت مسرعا نحو النهر يحدوني الأمل لعلي أجد إجابة تريحني
فوقفت أمامه وأعدت عليه نفس السؤال الذي سألته للأسد، والغزال
فقال لي : لعلك تسأل عن التي سلبتني عذوبة مائي ومزجته بالشهد فأصبح من يرشف من فاها لا يستسيغ مائي
بل كذلك سلبت مني صفاء لوني ومزجته بنور الشمس وضوء القمر فأصبح من ينظر إلى صفاء بشرتها ونور وجهها ينفر من كدر مائي.
فقلت : نعم لعلها هي فأخبرني عن اسمها فقد طال بحثي.
قال : لا أستطيع ذلك ؛ لأنني لو أخبرتك عنها لم تتوقف لحظة لتحدثني أو تنظر إلي ولكن اذهب إلى ذلك العندليب واسأله عنها فله عندها ثأر قديم
وانطلقت مهرولا يحدوني الأمل لعل وعسى !
وقد قيل : لايأس مع الحياة.
لا أطيل عليكم استوقفت ذلك العندليب وسألته نفس السؤال السابق فنظر إلي نظرة المستغرب !
وقال : عجبا ! كل الكائنات تبحث عن هذه الفتاة ولا تعيرنا أي اهتمام وكأننا غير موجودين أبدا.
فقلت له : أخبرني ما تعرفه عنها.
فقال : هي التي سلبتني رقة صوتي وجمال غنائي فإذا تكلمت أو غنّت توقفت المخلوقات كلها لتنصت لأعذب الألحان وأرق النغمات ونسو صوتي، وولى هاربا وهو يردد : اذهب إلى غيري فلعله يستطيع أن يخبرك عنها المزيد.
ولا أخفيكم بعدها أحسست بالتعب من طول البحث وجلست تحت ظل شجرة
وبكل صدق بدأ يتسرب إلى نفسي قليل بل ربما كثير من اليأس وبت فاقدا الأمل في أن أجد ولو اسم معشوقتي وطال صمتي وازدادت حيرتي.
وليعلم الجميع إذا توقفتم لن تتوقف الحياة بل أنتم من ستتأخرون.

وبعد صمت طويل سمعت صوتاً خافتاً يخاطبني قائلاً : أيها السائل لكأنك تبحث عن تلك الفتاة الجميلة التي أخذت من كل مخلوق أجمل مافيه من صفات.
قلت : نعم.
قال : سأخبرك أولا عن اسمي وعن صفاتي لأنك لا تراني ولكن تشعر بي
أنا : النسيم العليل أمر على الكائنات أداعبها بنسماتي فتتراقص من ملامستي لها بل لا تستطيع أي بشرة أن تقاوم ملاطفتي لها فتستسلم لرقة ملمسي وربما لا تجد مخلوقا ألامسه إلاّ استسلم للنوم والراحة وزالت كل قواه. حتى أتى ذلك اليوم الذي مرت بي فيه هذه الفتاة فسلبتني رقة ملمسي ومزجته بنعومة الحرير فأصبحت لا تلمس شيئا حتى يذوب ولا يستطيع أن يتماسك من رقة ملمسها مهما بلغت صلابته ثم سكت بعد أن تنهد تنهد المحزون
وقال : ولكن مع ذلك أنا لا أمل من ملامسة بشرتها الرقيقة وجسمها الغض.
فقلت له : أرجوك أخبرني من هي أو ساعدني للوصول إليها.
فقال لي : لا أستطيع لا أستطيع ؛ لأنني أخاف أن تحرمني منها، ولكن اذهب إلى تلك الوردة فلعلها تستطيع أن تخبرك عنها.
فانطلقت كالعادة مهرولا يحدوني ولما وصلت إليها طرحت نفس السؤال عليها.
فقالت : لكأنك تبحث عن التي سلبتني جميع مقومات حياتي.
فإنها وإن سلبت من الأسد هيبته، ومن الغزال جمال جسمها وقوامها، ومن العندليب صوته، ومن الهواء رقته، ومن الماء عذوبته - فلقد سلبتني كل شيء.
سلبت مني رائحتي الزكية وعطري الفواح ومزجته بالمسك والعنبر فأصبحت لا تحل بمكان إذ أصبح يفوح عبيرا ومسكا ثم أخذت من ألواني اللون الأحمر وصبغت به بياض خديها فأصبح لها وجنتان متوردتان فإذا نظرت إلى تلك الوجنتين لم يطاوعك بصرك أن تنظر إليّ !
أرجوك أرجوك أرجوك لاتقلّب عليّ الأحزان والمواجع واذهب واسأل غيري عنها فلعله يستطيع أن يجيبك.
بعد ذلك لم أستطع أن أتحمل كل هذا التعب والعناء فصرخت بكل ما أملك من قوة، أيها الناس :
أيتها الطبيعة الجميلة، بهوائها ومائها وجبالها وزهورها وطيورها وحيواناتها وكل كائناتها : أين يمكن لي أن أجد معشوقتي التي طال بحثي عنها ؟
أو هل يستطيع أحد منكم أن يخبرني عن اسمها فقط ؟
فأنا لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك !

وساد صمت رهيب للحظات ثم انطلق صوت عظيم مدويا في جميع الأرجاء اشترك فيه الجميع دون استثناء معشوقتك هي، وأخذوا يرددون قول الشاعر : الأمير سعود بن عبدالله :
معشوقتي ـ معشوقتي
منها بدت هجرة نبي
وفي أرضها نزل الوحي
يبقى على طول السّنين
معشوقتك ـ معشوقتي
بلاد العز
المملكة العربية السعودية
ومعشوقها الوحيد الذي تحبه ولا ترضى بغيره بديلا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله ورعاه للإسلام والمسلمين -.

 5  0  1441
التعليقات ( 5 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1430-07-23 12:31 صباحًا د/ عبد العزيز الغامدي :
    الحمد للة والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى اله وصحبة وسلم
    حقيقة يعجز اللسان وتتوقف الكلمات وينتهى الاطراء وتبدأ الحياة بيوم جميل عندما نجد من يبحر بنا في فنون الأدب العربي مثل الاستاذ / فهد الطويرقي بهذه الكلمات الرائعة وعندما ياخذنا بقلمة المبدع في عالم قل ما نجد المبدعين في فن القصة لقد سرح بافكارنا بعيدا جدا وقد يكون قد قلب مواجع لنا ولكن في نهاية المطاف ابدع بوصف معشوقتنا جميعا .
    فلله درك من كاتب . ابحر وحرك مشاعرنا ولك منا كل الدعاء بالتوفيق والسداد
  • #2
    1430-07-23 12:40 صباحًا خالد بن محمد الزهراني :
    كلمات جميلة ومعاني معبره وافكار اكثر من رائعة
    كم كنا بحاجة إلى مثل هذه القصص القصيرة الجميلة
    ونطلب من كاتبنا المبدع بالمزيد
    وفقه الله وزاده ورزقه من حيث لايحتسب
  • #3
    1430-07-23 11:18 مساءً عبد الرحيم الطويرقي :
    رائع ما كتبته أخي الحبيب أبو عبد العزيز , دام فكرك ورفع الله مكانتك وبارك فيك وأحسنت الاختيار في وضع مشاركتك ,فهو موقع التربويين والله الموفق
  • #4
    1430-10-06 02:36 مساءً عبدالله الثقفي :
    تحية طيبة ممزوجة بأكاليل الود والتقدير لك أيها العاشق .....

    أستوقفني إبداعك بما فيه من الرمزية ، التي أكست الإبداع ثوباً يليق به ؛ يجعل المتلقي والقارئ يصفق لكاتبه ...

    تقبل وافر التحية .. سأنتظر جديدك أيها العاشق
  • #5
    1430-12-16 05:27 مساءً د. محمد بن علي المسعري :
    أخي فهد بن عبدالعزيز الطويرقي حفظك الله
    عادة لا يتشارك اثنان في معشوقة واحدة ، ولكني هذه المرة سأشاركك ، فهل تسمح لي بذلك ؟ سأقدر الإجابة بنعم ، وأبدأ قائلا :

    تغير كل شيء إلا عيون معشوقتك التي تشف عن هذه الروح التي لا تتغير ، والنظرة الباسمة الخاطفة التي كانت تخضع تمرد شوقك العارم بها ، هي هي النطرة الباسمة الخاطفة التي هجمت منك عليها فأضاء وميضها لها الطريق ، ولكنها حبستك بأمرها وسلطانها على هذا الطريق نفسه .
    لمحتها ولمحتك ، فوقفتما تنظران ، وشخص البصر ، وكفَّت العين لا تطرف ، أما أنت فقد أخذك منها ما يأخذ الغريق المشفي على الهاوية ، ثم فتحت عينك ، فإذا أنت على شاطئ الأمان سليما معافى .
    وأما هي فلم تبثك بادئ النظر ، ثم سقط عن عينيها الحجاب الكثيف الذي أرخته سنين الفراق ، فعرفتك ، واندفعت إليك بقوة الرد المنفلت من شد سنين كنت تجاذبها فيها فقالت:
    أنت ، أنت !!
    أنت كنت ؟
    حقا ، وأنا أقول أين كنت ؟
    أشكرك على هذه الخيال المجنح ، والكلمة المغردة التي حملتنا إلى بساط الريح إلى حيث لا ندري ما نقرأ ، وما نكتب .
    أبارك لك هذا القلم الرائع ، وأسأل الله أن يكفيك شر كل حاسد إذا حسد ، وامض على هذا الطريق ، فوالله لو علمنا أبناءنا على مثل هذا الأسلوب لكان الخير كله .

    لا حرمني الله من هذا الأسلوب الرائع ، والمنطق الجميل ، ولك مني ألف تحية .

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:06 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.