• ×

11:20 مساءً , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ وبعد هذه الرحلة الإيمانية، وهذا السفر السعيد، والتنقل الممتع بين تلك الرياض الوارفة، هانحن نستقر بعد ترحل غير شاق، ولا مضن ولله الحمد وله الفضل والمنة.
■ إخوتي : أبارك لكم بلوغ المرام وهذا التمام.
■ وأهنئكم معاشر التائبين على اصطحابكم لهذا السِّفْرِ لتمضوا به ومعه بعض لحظات الانتظار، ولتقطعوا به شيئا من طول الطريق ، وعناء السَّفر في هذه الدنيا.
قد وفقنا في الوقوف على درر عظيمة في هذه المنزلة الجليلة منزلة التوبة إلى الله التواب الرحيم، فرحم الله ابن القيم ومن سلف من علماء الأمة الأجلاء، وأسكنهم الله فسيح الجنان، ونسأل الله أن لا يحرمنا أجرهم، ولا يفتنا بعدهم، وأن يغفر لنا ولهم.
وتيقنا جميعا شيبة وشبابا رجالا ونساء الحاجة الملحة والضرورة الماسة لطريق الاستقامة، وأن باب التوبة مفتوح ما لم تغرغر الروح، أو تطلع الأرض من غروب، فحينها لا ينفع توبة ولا إيمان، لأنها لم تتب ولم تؤمن قبل ذلك.
ولعل من أعظم ما أفدنا منه في هذه المجالس الإيمانية أننا قد وقفنا على الداء الحقيقي لكل الذنوب والمعاصي التي بليت بها الإنسانية منذ خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك الداء العضال : هو داء الشبهات والشهوات، وقد بينه المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيحين، فعنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ؛ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ؛ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ. كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ. أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ؛ الْقَلْبُ).
وأما عن الدواء الشافي، فلا سلامة من ذلك بعد توفيق الله إلا بسلوك الصراط المستقيم، وتأمل هذا الحديث الصحيح : عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ : أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تَتَفَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ : وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ ؛ تَلِجْهُ.
وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ) (1).
هذا؛ وأسأل الله بمنه وكرمه أن أكون قد وفقت في تقريب هذه المنزلة الجليلة "منزلة التوبة"، كما أسأله أن يعينني في إتمام تهذيب بقية المنازل مجتمعة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : رواه أحمد في المسند (4/142)، والحاكم في المستدرك (1/144) وقال : "حديث صحيح على شرط مسلم ولا أعرف له علة ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1709
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:20 مساءً الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.