• ×

01:52 مساءً , الإثنين 23 جمادي الأول 1438 / 20 فبراير 2017

مع جزيل الشكر ؛ إن جميع المشاركات المرسلة إلى منهل سيتم بمشيئة الله إدراجها تباعاً (تحقيقاً للاستفادة القصوى من المواد المنشورة في مَنْهَل اليوم ـ الشهر).

◄ نظرية الهرمنيوطيقا من (شليرماخر) إلى (بول ريكور)ـ
أطلقت كلمة (الهرمنيوطيقا Hermeneutics) في الفلسفات القديمة على تلك الدراسات اللاهوتية التي تعنى بتأويل النصوص الدينية بطريقة خيالية ورمزية، ابتعاداً عن المعنى الحرفي المباشر، إذ تحاول البحث عن المعاني الحقيقية والتعمق في أغوار النص المقدس.
وقد تطور مفهوم (الهرمنيوطيقا) في العصر الحديث فانتقل من البحث في الالوهيات إلى مجالات أكثر، لتشمل العلوم الإنسانية كالتاريخ وعلم الاجتماع وعلم الإناسة والنقد الأدبي.
واشتقت كلمة (الهرمنيوطيقا) من الفعل اليوناني (Hermeneuein) ويعني (يُفسر) و (يوضح)، والاسم (Hermeneia) يعني (التفسير) و (التوضيح). والأصل اليوناني للكلمة : استعمال آليات ومساعدات لغوية للوصول إلى كُنْه الأشياء، واللغة هي الآلية الأولى لعملية الفهم (1).
وقد ارتبطت (الهرمنيوطيقا) عند اليونان بتفسير النصوص المقدسة ونقلها من مستوى اللاهوتية إلى مستوى البشرية، كما هو الشأن (بالإله هرمس Hormes) الذي كان يتقن لغة الآلهة ثم يترجم مقاصدها وينقلها إلى بني البشر، وهو إذ يفعل هذا كان عليه أن يغبر المسافة الفاصلة بين تفكير الالهة وتفكير البشر، فهو إذن يحمل النبأ الجلل. ولا يمكن أن يكون الإنسان (هرمسيا) ـ أي حاملا للرسالة ـ إلا إذا كانت له القابلية لعملية التجلي (2).

■ الهرمنيوطيقا عند (شليرماخر) Schleirmacher (1768 ـ 1834).
اتسع مجال (الهرمنيوطيقا) وأعطيت له دلالات أخرى مع (شليرماخر) فحول المصطلح من نطاق اللاهوت وتفسير النصوص الدينية، إلى تفسير كل النصوص، وقدم هرمنيوطيقا موضوعية Objective Hermeneutics تقوم على فهم الوسائط اللغوية التي يسلكها ويعتمدها المؤلف للتعبير عن فكره. يقولإن مهمة الهرمنيوطيقا هي فهم النص كما فهمه مؤلفه، بل أفضل مما فهمه (3).
فعلى يد (شليرماخر) تخلت الهرمنيوطيقا عن مهمتها الأولية المتمثلة في متابعة المعنى لتصب جل اهتمامها على وضع القوانين والمعايير التي تضمن الفهم المناسب للنصوص، أيا كانت هذه النصوص في تحققها الملموس(4).

■ الهرمنيوطيقا عند (يلهلم دلثاي) Dilthey (1833 ـ 1911).
فالأسس التي وضعها (شليرماخر) في عملية الفهم فتحت الباب امام نظريات أكثر شمولية على يد الفيلسوف (يلهلم دلثاي) إذ عرفت الهرمنيوطيقا مع هذا الأخير بعداً جديداً، فهو يرى أن (الفهم) Understanding في العلوم الإنسانية يناظر (التفسير) Explanation في العلوم الطبيعية، فإذا كان التفسير يهتم بربط أحداث ملاحظة بعضها بالبعض الآخر وفقاً لقوانين الطبيعة، والتي لا تخبرنا عن الطبيعة الداخلية للأشياء ولا عن العمليات التي تقوم بدراستها، فإن الفهم يحاول أن ينفذ إلى المعاني الموجودة داخل الأشياء، أي المعاني التي تمكننا من معرفة الحالات الباطنية الخاصة بنا، بمعنى أن الفهم يرتكز على ما نسميه بالرؤية الداخلية للطبيعة البشرية التي نمتلكها جميعاً (5).
ومن هنا فالتأويل الصحيح عند (دلثاي) يمكن أن يستنبط من طبيعة الفهم، حيث يقول : (يهدف التأويل إلى عملية فهم التعبيرات والإشارات والرموز التي تمثل الأساس الذي تبنى عليه معرفتنا بذاتنا ومعرفتنا بالآخرين، وينطلق هذا الفهم عندما تستيقظ التمثلات العقلية عبر تدفق الأحداث النفسية لما يحدث بداخلنا) (6).

■ الهرمنيوطيقا عند (هيدغر) Heidegger (1889 ـ 1976).
أما (هيدغر) فقد حاول أن يبحث عن منهج يكشف عن الحياة من خلال الحياة ذاتها، أو تفسير مفهوم الوجود Being عند الإنسان بطريقة تكشف عن الوجود ذاته. واعتناق هذا الفكر كفيل ـ في ما يرى (هيدغر) ـ بالقضاء على كل الصيغ المجردة والمفاهيم الجوفاء، ويستبعد أيضاً المشكلات الزائفة التي تحجب الظواهر والمعطيات بدلاً من أن تكشفها (7).
كما استخدم (هيدغر) المنهج الفينومينولوجي في تعليله للوجود الإنساني في خبرة أساسية هي (خبرة الوجود في العالم) فالإنسان يحيا في حال من الفهم للوجود يسميها asein، أي (الفهم الانطولوجي للوجود) (8). هذا الفهم ليس مجرد معرفة نظرية، وإنما هو نحو من أنحاء الوجود، إنه هو ذاته الوجود. وعلى هذا الأساس يقيم (هيدغر) هرمنيوطيقا للوجود الإنساني تتصل بالأبعاد الانطولوجية للفهم ومن خلال وسيط هو اللغة، فاللغة ليست مجرد أداة يملكها الإنسان إلى جانب غيرها من الأدوات، وإنما هي ما يضمن إمكان ظهور الوجود وانكشاف بعد أن كان مستتراً، إنها الوجودي للعالم (9).

■ الهرمنيوطيقا عند (غادامر) Gadamer (1900 ـ 2002).
وقد سار على خطى (هيدغر) الفيلسوف (غادامر) الذي نقد (الهرمنيوطيقا المنهاجوية Methodologisme) وبذلك طرح (الهرمنيوطيقا الفلسفية) التي تنطلق من مفاهيم ثلاثة أساسية هي : (التفسير) و (الفهم) و (الحوار)، وهذه المفاهيم ترتبط ارتباطاً جدلياً في العملية الهرمنطقية. فإذا كانت الهرمنيوطيقا ـ بوجه عام ـ هي اتجاه في التفسير، فإن التفسير ذاته لا يكون ممكنا إلا من خلال الفهم والحوار، لكن الفهم بدوره لا يكون فهماً خاصاً من دون الحوار، فالفهم يتحقق من خلال حوار تنفتح فيه الذات على الموضوع أو الأنا على الآخر (10).

■ الهرمنيوطيقا عند (بول ريكور) Ricœur (1913 ـ 2005).
في سنة 1986 ألف (بول ريكور) كتابا سماه : (من النص إلى الفعل : From text to Action)، وكتب افتتاحية لهذا الكتاب تحت عنوان : (نحو مفهوم جديد للتأويل) فأقام (هرمنيوطيقا علمية) قائمة على تفسير النصوص وفق مناهج وقواعد تحكم التأويل.
يقول (ريكور) : في هذا الصددنحن في حاجة إلى تصحيح مفهومنا الأولي للهرمنيوطيقا، من عملية التأويل الذاتية للنص، إلى عملية تأويل موضوعية تكون فعلا يقوم به النص) (11). وقد اختلفت دلالات التأويل عند (ريكور) باختلاف مضانها الفكرية.

■ فنألفه في مرحلة اهتمامه (بالرمزية) يعرف التأويل بقولهعلم قواعد فك الشفرات الخاصة بلغة الرموز الدينية. وقد حدد ثلاث مراحل متكاملة للتعبير عن مضمون التفكير من خلال الرمز :
• المرحلة الأولى : تتمثل في فهم الرمز انطلاقاً من الرمز ذاته، شريطة أن يكون هذا الفهم نتيجة لمسيرة فينومينولوجية.
• المرحلة الثانية : هدفها فك رموز الرسالة التي يحملها الرمز.
• المرحلة الثالثة : وهي فلسفة خالصة تقوم على التفكير انطلاقاً من الرمز.
هذه المراحل تضع ـ على حد قول (ريكور) ـ : معالم حركة الفهم التي تنبثق من الحياة داخل الرموز نحو تفكير منطلق من الرموز (12).
ونجده في مرحلة اهتمامه (بالبنيوية) و (الفرويدية) يركز على العلاقات الجدلية بين مختلف التأويلات، فيقول : (سنحافظ دائماً على العلاقة مع المذاهب التي تهتم بممارسة التأويل بطريقة منهجية) (13).
أما في المرحلة الأخيرة من اهتمامه بتأويل النصوص، وجدناه يؤكد على أن التأويل هو معرفة المعنى الموضوعي للنص الذي يريده المؤلف، وما على القارئ إلا أن يلتقط شفرات النص ويُطِع ما يطبعه فيه النص وما يوحي به إليه. وبالتالي ترتبط ذاتية المؤلف بذاتية القارئ، أو بالأحرى علاقة جدلية تربط بين خطاب النص (المؤلف) بخطاب التأويل (القارئ) فيحيل كل منهما إلى الأخر، ويصير النص يحقق اكتماله داخل الذات المؤوِلة (14).
ومن هنا نجد أن (ريكور) لم يهتم بتنظيم التأويل في خطوات واضحة وآليات محددة كما فعل (شليرماخر) و (دلثاي) و (غادامر) وإنما تعامل معه بطريقة علمية موضوعية وقام بقراءة شمولية لأهم تيارات الفلسفة المعاصرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ المراجع :
(1) عادل مصطفى : فهم الفهم، مدخل إلى الهرمنيوطيقا، نظرية التأويل من افلاطون إلى غادامير، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2007، ص34.
(2) المصدر السابق، ص24.
(3) سعيد توفيق : في ماهية اللغة وفلسفة التأويل، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2002، ص87.
(4) شرفي عبدالكريم : من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة، ط 1 الدار العربية، بيروت لبنان 2007. ص 24.
(5) محمود سيد أحمد، فلسفة الحياة (دلثاي نموذجا) ص61.
(6) Rudolf A .Makkreel.Dilthey : Philosopher of the Human Studies .Princeton University Press. New Jersey.1975;p 314
(7) رجب محمود، لمحات عن فلسفة هيدغر، دار الثقافة للطباعة وللنشر والتوزيع، القاهرة، 1974، ص 25ـ26.
(8) إبراهيم أحمد، انطولوجيا اللغة عند مارتن هيدغر، الدار العربية للعلوم، بيروت، منشورات الاختلاف، 2008، ص65.
(9) المصدر السابق، ص 66ـ65.
(10) سعيد توفيق : هانز ـ جيورج غادامر، المشروع القومي للترجمة القاهرة، 1997، ص11.
(11) بول ريكور، من النص إلى الفعل : أبحاث التأويل، ترجمة محمد برادة، وحسن بورقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، الجيزة، 2001، ص120.
Paul Ricœur ; The Symbolism of Evil ;p 350 (12).
(13) بول ريكور، صراع التأويلات، ترجمة منذر عياشي، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، 2005، ص42.
(14) محمد هاشم عبدالله، ظاهريات التأويل، قراءة في دلالات المعنى عند بول ريكور، مجلة التسامح، سلطنة عمان، السنة الثالثة، شتاء 2005، ص 118.
د. عبدالحكيم درقاوي.

 0  0  476
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:52 مساءً الإثنين 23 جمادي الأول 1438 / 20 فبراير 2017.