• ×

09:19 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ ما منا الا وقد سمع عن المثل المعروف بأن فلان يريد أن يصطاد العصفورين بحجر واحد، وأن دل ذلك فإنما يدل على أمرين :
1- أن الامنية والطمع الذي يصبو إليه بعيد المنال ولا يمكن أن يتحقق لوجود عدة معيقات تمنعه من حصول تحقيق هذا الهدف. والأمثلة على ذلك كثيرة : وللتقريب مثلا : أن الطالب فلان (الاتكالي وعديم الهمة) يتمنى ان يحصل على العلامة الكاملة بامتحان واختبار نهاية العام الدراسي أو في امتحان الثانوية العامة وهو لا يكون طيلة ايام العام الدراسي الا من الشلة من الطلاب الكسالى أو المتسكعين بالاسواق والطرقان وفي ميادين التفحيط (لا سيما التي تجمع مبالغ مالية مرتفعة لاقامة مسابقات بهلوانية أصعب من حركات السيرك الروسي) وتقليد الحركات المميتة والتي ان توفي او قتل صاحبها من تقليد تلك الحركات يعتبرا شرعا (انتحاراً وخارجاً عن الملة الإسلامية لأنه أزهق روحه بنفسه مخالفا قوله تعالى : (ولا تلقوا بانفسكم الى التهلكة) والامثلة كثيرة بالحياة العامة. ولكنني مثلت هذا المثال كبعض الذين ينتمون الى الاسرة التربوية في العالم العربي بدون استثناء تقليدا ومحاكاة (لمن يدخل جحر الضب محاولا تقليده).
2- إن هذا الإنسان الذي يصبو ويأمل أن يحصل على الوردة الجميلة بدون ان تغزه أشواك تلك الوردة اليانعة التي تسر الناظرين، او راغبا بالزواج بتلك الفتاة العذراء العفيفة التي تكاد ان تنافس جمال القمر او الكواكب بالسماء في الليلة الظلماء وقمر السماء في دور المحاق (بدون مهر أو الاستعداد لتكاليف الزواج من قرىٌ او ذهب او وليمة، معتقدا بان العروسة ستأتي اليه على بساط الريح في غرفة نومه ذات الابواب والنوافذ المغلقة وعلى اضاءة لمبة السهاري خافتة النور الاحمر).
وحيث ان الله تعالى قد فرض الحج على المستطيع من المسلمين كأحد اركان الاسلام الخمسة، وقد ورد على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم بالحديث الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بانه بالمرتبة الرابعة او الركن الرابع (بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر .. الخ)، وببقي الروايات بأنه الركن الخامس او المرتبة الخامسة، وتسمى حجة العمر، ومن استطاع ان يحج ولم يحج (من باب التسويف) فليمت إن شاء يهوديا او نصرانيا او مجوسيا. بمعنى انه خارج من ملة الاسلام، ويعتبر كافرا. وبذلك فانه لا يزوج ولا يتزوج منه ولا يؤاكل ولا يشارب ولا يرث ولا يورث. وهناك امور شرعية تتبع الحكم عليه وكأنه مرتد عن الاسلام.

ولكن رحمة الله الواسعة جعلت ممن يؤدي فريضة الحج بلا رفث ولا فسوق بانه يعود كمن ولدته امه من كل شئ متعلق بحقوق الله فقط، وليس من حقوق الناس (حيث ان القاعدة الفقهية تقول : ان حقوق الله مبنية على المسامحة، لكن حقوق الناس مبنية على المشاححة) بمعنى ان الله تعالى من واسع رحمته ومغفرته يسمح عن كل حقوقه على عباده لأنه وحده هو خالقهم ورازقهم وهو مربيهم ومقدر كل المقادير عليهم ويعرف سريرة وظاهر كل مخلوق بالكون، ولكن حقوق الناس بين بعضهم البعض مبنية على تأدية كل ذي حق حقه (ولو كان مسواكا من أراك) حتى لو كان شهيدا أرهق دمه في سبيل الله.

لا سيما ان الرحمة العظمى تتنزل على من يقف بصعيد عرفات يوم تذرف العبرات خالصة لله الواحد القهار الذي ضمن لكل من وقف بعرفات مخلصا له بانه الواحد الاحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد وان هذه الشهادة براءة من كل انواع الشرك صغيرها وكبيرها جهرها وعلانيتها (فهي البطاقة الصغيرة التي ترجح في ميزان العبد بالحسنات مقابل كفة جميع سيئات حياته بالدنيا وتلك البطاقة اثقل من جبل احد بل من جميع ثقل وكتلة ووزن جميع ما احتوت عليه الارض او الكون كاملاً) ومن اعتقد ان الله لا يغفر له باخلاص وقوفه على صعيد عرفات فقد اساء الظن بالله، ولم يوجد الشيطان بادحر او احقر من يوم عرفة، لأن جميع جهده طيلة عمر هذا المؤمن الذي لبى نداء ربه واخلص له وفد على الله ربه الكريم متندما على كل اعماله السيئة والخاطئة تجاه ربه فقبله ربه وغفر له غفرانا تاما وكاملا, فقد صدق الله تعالى : (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ● وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ● لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ *ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ● ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ● حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ● ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ● لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ● وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ● الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ● وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ● لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ● إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ).
(ولا أنس ببعض حج بعض السنوات الاخيرة من خلال عملي بالمملكة العربية السعودية لمدة 21 عاما بانني وزوجتي كنا ندعو ونبتهل الى الله تعالى بعد العصر بظل شجيرة صغيرة عام 1991م وأنا أقرأ واكر سورة الاخلاص (قل هو الله أحد) فاذا بالدموع تنهمر تخرق الارض لا شعوريا فحمدت الله تعالى على سعة رحمته وغفرانه ودحر الشيطان الرجيم من المكان والزمان والنفس ولله الحمد. فقد حججت ولله الحمد خلال تلك الفترة من عام 1973- 1994م خمس حجات متفرقات، ولكن القلب اليوم يهفو الى بيت الله الحرام والى تكرار الوقوف في صعيد عرفات مع الاشقاء المؤمنين التائبين من كل حدب وصوب لتجديد العهد مع الله تعالى، لا سيما تقبيل الحجر الاسود والذي ورد بالاثر الشريف بانه يمين الله بالارض فليس على ببعيد ان شاء الله تعالى.
فمن رحمته تعالى وأنه هو الغفور الرحيم لكل الخلق أجمعين ولا يريد تعالى ان يحرم من فضله أحد، فقد سن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم صوم يوم عرفه لمن لم يستطع ان يدرك الحج في العام الذي وصلت ايام عمره الحالي اليه، بان جعل صومه سنة للمسلم الصائم اجر وثواب عامين كاملين، عام سابق وعام لاحق جديد أي (من 10 ذي الحجة الى 8 ذي الحجة من العام السابق ومن 9 ذي الحجة الحالي الى 8 ذي الحجة القادم) وهذا من فضل الله ورحمته تعالى. أي ان الصائم قد صاد فعلا عصفورين بحجر واحد وهو صوم يوم واحد ويثاب عن تكفير عامين كامين، وهذه الفرصة (بل التجارة الرابحة) لا تتحقق الا مع الله وحده. ٍ فضل صوم يوم عرفه : وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وقد أجمع العلماء على أن صوم يوم عرفة أفضل الصيام في الأيام، وفضل صيام ذلك اليوم، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (صيام يوم عرفه أحتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) رواه مسلم فصومه رفعة في الدرجات، وتكثير للحسنات، وتكفير للسيئات.

■ ماذا يكفر صوم يوم عرفة ؟
فعموماً لا ينبغي صيام يوم عرفة للحاج أما غير الحاج فيستحب له صيامه لما فيه من الأجر العظيم وهو تكفير سنة قبله وسنة بعده. والمقصود بذلك التكفير، تكفير الصغائر دون الكبائر، وتكفير الصغائر مشروطاً بترك الكبائر، قال الله تعالى : (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (النساء)، وقوله صلى الله عليه وسلم : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينها إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.

■ صوم التطوع لمن عليه قضاء :
اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكم التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان.
فذهب الحنفية إلى جواز التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان من غير كراهة، لكون القضاء لا يجب على الفور، قال ابن عابدين : ولو كان الوجوب على الفور لكره، لأنه يكون تأخيرا للواجب عن وقته الضيق.
وذهب المالكية والشافعية إلى الجواز مع الكراهة، لنا يلزم من تأخير الواجب، قال الدسوقي : يكره التطوع بالصوم لمن عليه صوم واجب، كالمنذور والقضاء والكفارة سواء كان صوم التطوع الذي قدمه على الصوم الواجب غير مؤكد، أو كان مؤكداً، كعاشوراء وتاسع ذي الحجة على الراجح.
وذهب الحنابلة إلى حرمة التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان، وعدم صحة التطوع حينئذ ولو اتسع الوقت للقضاء، ولا بد من أن يبدأ بالفرض حتى يقضيه، وإن كان عليه نذر صامه بعد الفرض أيضا، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله وسلم قال : (من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه) رواه أحمد، وقياساً على الحج. في عدم جواز أن يحج عن غيره أو تطوعاً قبل حج الفريضة (الموسوعة الفقهية 28 / 100).

■ وهذا سؤال ورد إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء :
هل يجوز للشخص أن يشرك النية في عمل واحد أو لعمل واحد، فمثلاً يكون عليه قضاء يوم من شهر رمضان وجاء عليه يوم وقفة عرفة، فهل يجوز أن ينوي صيام القضاء والنافلة في هذا اليوم وتكون نيته أداء القضاء ونية أخرى للنافلة ؟
الجواب : لا حرج أن يصوم يوم عرفة عن القضاء ويجزئه عن القضاء ولكن لا يحص له مع ذلك فضل صوم عرفة، لعدم الدليل على ذلك. لكن الأفضل للإنسان أن يقضي ما عليه من الصوم في غير يوم عرفة، ليجمع بين فضيلتين، فضيلة القضاء، وفضيلة صوم يوم عرفة (10 / 397 - 398).
فأقول : من صام يوم عرفة بقصد التطوع وعليه أيام من رمضان فصيامه صحيح، والمشروع له ألا يؤخر القضاء لأنه لا يدري ما يعرض له من نوائب الدهر، فنفس الإنسان بيد الله لا يدري متى يأتيه أجله المحتوم، فليبادر بالقضاء قبل التطوع، لأن القضاء حق لله تعالى، لا تبرأ به ذمة المسلم، فالأحوط له أن يبادر بالقضاء ثم يتطوع بعد ذلك بما شاء، قال صلى الله عليه وسلم : (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) رواه أحمد بسند صحيح، وقال عليه الصلاة والسلام : (فدين الله أحق بالقضاء) رواه مسلم، انظر مسلم بشرح النووي 7/266.

■ نسأل الله تعالى بفضله ومنه وكرمه أن يوفقنا جميعاً للعمل الصالح، والعلم النافع، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يزيدنا علماً، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، إنه سبحانه خير مسؤول وخير مأمول، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، والحمد لله رب العالمين.

 0  0  1152
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:19 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.