• ×

02:53 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ عرفته منذ كنا زميلين في المدرسة الثانوية, كان ذكياً سريع البديهة شغوفا بإحراج الآخرين حين يصطاد منهم هفوة كلامية أو غلطة لغوية, تترسم على تعابير وجهه صورة النشوة بالانتصار وهو يجادل ويكابد في دحر كل تبرير من الآخر ويصر على انتزاع الاعتراف بالخطأ واستجدائه الصفح والغفران, كان كثيرون من الزملاء يهابون صولته ومع ذلك كان يستحوذ على الاهتمام, وكثيرون منا يسعى لكسب وده, صحيح أننا كنا جميعاً نهاب مواجهاته تلك, ليس لأنه جريء متسلط ولكن لكونه عميق الثقافة واسع الاطلاع وشديد الملاحظة, وكانت مواجهته محسومة دائماً بذات النتيجة التي نخشاها جميعاً, حقيقة لم أكن من المقربين له ولم تحدث لي معه مواجهة سوى مرة واحدة عندما التقينا في أمسية لدى أحد الزملاء وتباينت مفاهيمنا حول حقيقة النفاق ومدى معذورية المنافق, كان يرى أن النفاق محصلة ضعف المفهوم والاعتقاد لدى المنافق وهزال في المنظومة القيمية لديه مما يجعل المصلحة الآنية تسيطر عليه فيسلك سلوكا ملتويا لتحقيقها من خلال التحذلق والمداهنة والكذب والإنكار وهي سمات تجعل الإنسان عديم المصداقية مليص الاعتماد وهو ما يضر بالمجتمع إن تولى أمرا فيه مصالح للناس, وكنت أرى أن النفاق حالة ذهنية طارئة مرهونة بصراع الإنسان مع محيطه في سبيل حماية كيانه الذاتي والمعنوي، تزول مع توافر ضمان حرية المعيشة والكسب والتعبير, ولأن نقاشنا كان ثقافي الطبيعة فقد تبارينا طويلاً في أظهار مخزننا الفكري والاطلاعي بالاستشهاد والتحليل، الأمر الذي جعل كلا منا يعجب بالآخر دون التصريح خوفاً من الاعتراف بالهزيمة, وباتت العلاقة بيننا بعد ذلك حذرة لا تتخطى مجاملات الزملاء حتى تركنا المدرسة وكل منا سار في مسلك آخر.
وبعد 30 سنة وعلى غير موعد التقيت صاحبي في الطائرة وفي الكرسي المجاور لي ونحن عائدون للمملكة من لندن, لم أعرفه في البداية فقد تغير مظهره الذي عهدته وكذلك أنا بالنسبة له ولكن بعد أن تحدث أكثر من مرة مع المضيفة استألفت الصوت ونبرة الحديث وكأن الزمان رجع بي إلى تلك الأيام الخوالي, فنظرت إليه وقلت هل أنت أحمد ؟ فرمقني بنظرة سريعة كما عهدته وبملامح الاستغراب لبرهة قبل أن يقول من الأخ ؟ ثم بسرعة يستدرك قبل أن أجيب وبلهجة استفهامية "محمـد" وبعد أن حيينا بعضنا تحية تليق بما بان بيننا من السنين وكل منا استفهم عن حال الآخر وما آلت إليه أحواله وما نتج له من عيال ومال, عدنا بالذكريات إلى صبانا ومماحكاتنا التي لم يكن لها هدف إلا إبراز التفوق على الآخر، وبمضي رحلتنا الجوية استرجعنا ذلك الحوار القديم وكان هو البادئ فقال "يا أبو عبدالله أتذكر يوم تجادلت وإياك عن ماهية النفاق وهل للمنافق حق في أن ينافق "قلت" الله ! أتذكر حتى الآن قال "نعم" ثم سكت برهة وأطرق ليعود يستكمل حديثه "أنت تعلم أن والدي عندما توفي كنت مازلت في الجامعة وترك عائلة قليلة الموارد, كنت الأمل لهم في تحسين معيشتهم بعد التخرج, والتحقت بالعمل في إحدى الشركات الصناعية الجديدة المشتركة مع شركة أجنبية وحيث كان عدد السعوديين قليلا في تلك الشركة فقد تشكلنا في صورة شلة نجتمع دورياً في منزل أحدنا وكانت تدور المناقشات حول مسائل سياسية واجتماعية وعملية وغيرها, وكما عهدتني كنت لازلت شغوفاً بمقارعة الأفكار لا أنضوي حتى أدحر الآخر, طبعاً فكرياً, وفي ظني أن ذلك لا يفسد للود قضية ! طبعاً كنت على خطأ. حصل زميل لنا في الشلة على ترقية أصبح بها رئيساً لي, وكنت مسرورا في البداية لترقيته إلا أن ذلك لم يطل, فقد بات هذا الزميل الرئيس مصدر قلق لي فخلال اجتماعات الشلة كان يقاطعني بصورة يشعرني أنه الرئيس ويتصيد الفرص لانتقادي بصورة مهينة حتى تسرب إلى نفسي شعور بالهزيمة، وكان مصدر ذلك الشعور قلقي على مستقبلي في الشركة ومستقبل معيشتي وخصوصاً إنني أعول بالإضافة لعائلتي أسرتي الصغيرة، لذا بت أتجرع تلك المرارة واستقصر في الحديث خشية التسكيت بل إني ابتدعت عن غير وعي سلوكا أكتسب فيه رضي رئيسي وأتحين الفرص للاستشهاد بمقاله أو الثناء على حديثه دون أن يكون ذلك مطابقاً لما يختلج في ذهني. "ويتوقف برهة ثم يواصل" يا أبو عبدالله في ذات ليلة كنت عائدا بالسيارة من أحد تلك الاجتماعات بعد سهرة مليئة بنفاقي وتسطحي, كنت ناقماً على نفسي أعاتبها على ضعفها وتهشم كبريائها وفي لحظة تستولي على صورة ذلك النقاش الذي دار بيننا وأتذكر رأيي في المنافق فأرتجف سخطاً على نفسي وترتفع نبرة عتاب ذاتي بالشتم والتحقير لضعفي وسقوطي في هاوية النفاق, ثم أستدرك مقالك أن النفاق حالة ذهنية تزول بزوال مسببها". يتوقف عن الحديث وتشتد تعابير وجهه وتتطارد أنفاسه متسارعة ويستطرد "يا أبو عبدالله كان مقالك هو المخرج, فلم أبلغ البيت إلا وقد عزمت على أن أحرر نفسي من ارتهانها لتلك الحاجة المذلة فكان أول ما فعلت في الصباح التالي إبلاغ زوجتي بقراري الاستقالة من العمل والانتقال إلى الرياض, وكان ذلك أعظم قرار في حياتي", لم أستطع أن أخفي دهشتي من رواية صاحبي، وتحول كل منا لفكر الآخر فعلى مر السنين مررت بعدد كبير من الناس لم يتعرضوا لضغوط تملي عليهم النفاق بقدر ما احترفوا ذلك كوسيلة للاكتساب وتحقيق المآرب عن سابق تخطيط وترصد. لذا يبدو أن النفاق ليس حالة ذهنية بل هو حالة وجدانية تحدث لدى الإنسان بمجرد أن تضعف منظومته القيمية ويبعثها للظهور تقلبات الحياة ومصالحها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد المهنا أبا الخيل.

 0  0  837
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:53 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.