• ×

02:52 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ عندما نقرأ ونتدبر القرآن الكريم بتمعن وفهم قبل الحفظ - لأن الفهم أساس بقاء وثبات الحفظ بكل شيء - فكثير من الطلاب ينسى بسرعة كبيرة معنى آية كلمة بأية لغة كانت إذا لم يفهم ويعرف معناها - فمن لا زال على قيد الحياة من الاجيال السابقة المعمرة - لأن كل 25 سنة يطلق على مواليدها جيل واحد، ومن يسمون ببعض البلاد العربية بـ عود أو الهرم أو العجوز أو الختيار (بكسر الخاء وسكون التاء) أو الشيبة يحفظون عن ظهر قلب القرآن الكريم أو قصائد شعرية باللغة العربية أو الإنجليزية، بل أن منهم لا يزال يتحدث بأكثر من لغة في عدة مواقف، وما أدل على ذلك الأدلاء والمطوفين بموسم الحج في المملكة العربية السعودية أو الأدلاء السياحيين بكل بلاد العالم.
فعندما نفهم أولاً لماذا تكرر الفعل الماضي الناسخ بالقرآن الكريم 422 بالإحصاء الدقيق، والكثير مع اسم الله تعالى أو صفاته العليا، فليس ذلك من الله تعالى - حاشا لله عبثا - أو زيادة كلمات لحروف القرآن، أو أنه كان سابقاً ولا يكون مستقبلاً، ومما الهمني الله به ربي من فتوحات بتدبر آيات كتاب الله تعالى، بأنه ولله المثل الأعلى - عندما يتأخر ابنك عن البيت أو الرجل عن زوجته بآخر الليل مع الاصحاب والخلان أو لا سمح الله مع نساء وبنات الليل فلا بد الآن يوجه لكل منهم سؤال ساخن أحر من جمر جهنم، طبعاً السؤال الوحيد من السائل أو السائلة هو فقط كلمتان : (أين كنت ؟) فمن كان تأخره مبرراً ومنطقياً يقول كنت مع كذا أو بمكان كذا ودليلي شهود وشهادة من هو معهم. ولكن من كان في مكان مشبوه أو لا يستطيع مواجهة الحقيقة فأنه يتعذر بأعذار واهية بل هي اوهن من بيت العنكبوت - كما وصفه الله تعالى - فمن قال كنت مع فلان أو في مكان كذا - فلا بد وأنه يملك الدليل القاطع والجريء والصادق بمجابهة أي كائن من كان، ومن فعل فعلاً وانتهى الفعل فهو الاقرار والاعتراف بأنه كفؤ اوغير كفؤ على ما عمل، ولكن كما يقولون (حصل ما حصل) أي اصبح الفعل والعمل ماضياً - في خبر كان -.

■ ولكن كيف نفهم بأن الله يستعمل لذاته الجليلة الفعل الماضي (كان) ويريد به قدرته على فعله مستقبلاً ؟
فالدليل على أن الله كان قديراً أو حكيماً أو رحيماً بمعنى أنه رحيم أو قدير فيما يأتي بالمستقبل متحققاً من قدرة فعله وسلطانه كما هي كانت قدرته على فعل مضى من الصفات أو الاسماء، فمثلاً عندما يقول الله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب : 56) فمعنى ذلك أنه سيكون أيضاً غفور رحيم لمن يعمل عملاً من اعمال المعاصي مستقبلاً فيتوب توبة صادقة فسيغفر له ويرحمه كما غفر ورحم من سبق ذلك العبد التائب بترك ذلك العمل السيء والعمل المشين، لأنه قد كتب على نفسه الرحمة لكل مسترحم قبل أن يريد أو يقرر عقاب أي مخلوق.
ومن هنا نقول بأن استعمال الفعل الماضي الناقص (كان) مع اسم أو صفة لله تعالى لا تعني البتة أن الله انتهى من استمرار تلك الصفة أو ميزة الاسم الخاص من اسمائه تعالى بل علينا أن نتابع ونتدبر مواقع كان بالقرآن الكريم وعددها حصراً (422) مرة ونعمل عملياً بما اسمى الله به نفسه أو اتخذ لنفسه صفة من صفات قدرته سواء بالسلطوية والقوة أو الجبروتية - على الكفار خاصة - أو صفات الرحمة والمغفرة والتوبة وغيرها لكل مسلم ومؤمن سواء عصى ربه وتاب واناب إليه أو حتى لو لم يكن قد ارتكب - مجازاً - اية سيئة البتة طول حياته.

■ ويسعدني أن انقل لكم فتوى مقدمة لفضيلة الشيخ الفاضل الشيخ / عطية صقر (رحمه الله تعالى) من كبار علماء الأزهر الشريف - وممن صال وجال صوته بإذاعة القرآن الكريم من القاهرة لعشرات السنين الماضية، فيقول : اقتران صفات الله بلفظ "كان".

■ المفتي : فضيلة الشيخ عطية صقر (رحمه الله تعالى) مايو 1997 المبدأ : القرآن والسنة.
■ سُئل : تأتي فى بعض الآيات صفات الله تعالى فيها عبارة (كان) مثل (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) فهل هذه الصفات، كانت فى الماضي وزالت عنه وتغيرت أم باقية ؟
■ أجاب : إذا وصف اللَّه نفسه فى القرآن الكريم لم يأت هذا الوصف دائماً مقروناً بلفظ "كان" فكثيراً ما يأتي الوصف بدون ذلك قال تعالى : (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة : 109)، وقوله تعالى : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة : 222)، وقوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المزمل : 20).
وفى بعض الآيات يأتي الوصف مع لفظ "كان" كقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب : 56)، وقوله : (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الفتح : 26)، وقوله تعالى : (مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء : 134).
وليس المراد بذلك أن اللَّه سبحانه كان متصفاً بالمغفرة والرحمة والعلم والسمع والبصر فى زمن مضى، ثم زالت عنه هذه الصفات فى الزمن الحاضر ولا يتصف بها فى المستقبل، ذلك لأن تقسيم الزمن إلى ماض وحاضر ومستقبل هو بالنسبة لنا نحن، حين نتحدث ونحدد ما يقع من أحداث قبل زمن الحديث عنها أو فى أثناء الحديث أو بعده، أما اللَّه سبحانه فهو منزه عن الزمان، وما كان مخلوقا لا يتحكم فيمن خلقه.
وكأن اللَّه سبحانه حين يقرن صفاته بلفظ "كان" يبين لنا أنه موصوف بذلك قبل أن يخبرنا، بل قبل أن يخلقنا، فهي صفات أصيلة فيه وجبت له لذاته لا لعلة أوجدتها فيه. فقد كان اللَّه بصفاته ولا شيء معه وقد نبه المفسرون على ذلك، فجاء مثلا فى تفسير الجلالين لقوله تعالى فى أول سورة النساء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) قوله : أي لم يزل متصفاً بذلك. وقال الجمل فى الحاشية : نبه به على أن "كان" قد استعملت هنا فى الدوام، لقيام الدليل القاطع على ذلك.

■ اللهم علمنا ما ينفعنا وزدنا علما والحمد لله رب العالمين.

 0  0  1145
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:52 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.