• ×

01:21 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة كاملة واشهد أن سيدنا ونبينا وشفيعنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الغمة وبشر وانذر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سلك طريقهم إلى يوم الدين .. وبعد.
لا يختلف اثنان في كون العربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة؛ إِذْ هي أداة العلم والته. كما أن (معرفتها ضرورية على أهل الشريعة؛ إِذْ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، وجل نَقَلَتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرحُ مشكلاتها من لغاتهم، فلابد من معرفة العلوم المتعلِّقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة في كل زمان ومكان.
روى الحاكم في "مستدركه"، عن محمد بن الفضل عن بن جريج عن عطاء عن بن عباس رضي الله عنهما قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احفظوني في العرب لثلاث خصال، لأني عربي، والقرءان عربي، ولسان أهل الجنة عربي وكذلك كون القرآن أنزل بلسان عربي مبين، فذلك مدعاة للأعتزاز بالانتماء.
أما بالنسبة لحب العرب وكون أن النبي صلى الله عليه وسلم عربي هذا شيء لا يحق الطعن فيه، فالواجب محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة آله، ومحبة قوم النبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيم اصحابه رضي الله عنهم أجمعين. ولما كانت العرب أصل رسول الله صلى الله عليه وسلم حسن ذكر بعض فضائلهم. فقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم مضريها وربيعيها ويمانيها، رواه عبد بن حميد وابن أبي أسامة وابن المنذر.
ثم ان الله تعالى تخير العرب من خلقه وتخيره صلى الله عليه وسلم منهم. فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خلق الله الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم"، رواه الطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم.
وعنه أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لما خلق الله الخلق اختار العرب، ثم اختار من العرب قريشا، ثم اختارت من قريش بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم، فأنا خيرة من خيرة"، رواه الحاكم وصححه.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله حين خلق الخلق بعث جبريل فقسم الناس قسمين، فقسم العرب قسما وقسم العجم قسما، وكانت خيرة الله في العرب، ثم قسم العرب قسمين، فقسم اليمن قسما وقسم مضر قسما وقريشا قسما، وكانت خيرة الله في قريش، ثم أخرجني من خير من أنا منه"، رواه الطبراني وحسن الحافظ أبو الفضل العراقي إسناده.
كما أنه في حب العرب حب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من أحب العرب فقد أحبني، ومن أبغض العرب فقد أبغضني"، رواه الطبراني.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم"، رواه الحاكم.
وروى الطبراني والحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أحبوا العرب لثلاث : لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي" وعن هذا الحديث تعليقات عدة في ضعف سنده.
وعن سلمان رضي الله تعالى عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك".
قلت : يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله ؟
قال : "تبغض العرب فتبغضني" رواه الترمذي وقال حسن غريب.
وعن علي رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يبغض العرب إلا منافق" رواه الطبراني.
وردا على مسالة كلام اهل الجنة بالعربية نورد هذا الحديث : فقدورد في كتاب صفة الجنة لابن أبي الدنيا؛ بَابُ لِسَانِ أَهْلِ الْجَنَّةِ قال : حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، ثنا صَفْوَانُ بْنُ هَاشِمِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ : حَدَّثَنِي دَاوَّدُ بْنُ أبي الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلانِيُّ، ثنا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونِ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى طُولِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ, سِتُّونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلَكِ, عَلَى حُسْنِ يُوسُفَ, وعَلَى مِيلادِ عِيسَى ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, جُرْدٌ, مُرْدٌ, مُكَحَّلُونَ" والحديث صححه الألباني رحمه الله في الصحيحة 6/46.
ومن الصحابة قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (تعلَّموا العربية فإنها تزيد في المروءة) ذكره الخطيب في كتاب الجامع.
واورد القرطبي في الجامع قول ابن مسعود رضي الله عنه (جودوا القرءان باحسن الاصوات واعربوه فأنه عربي والله يحب أن يعرب به).
وقد قال الامام مالك رحمه الله (لا اوتى برجل يفسر كتاب الله غير عالم بلغات العرب الا جعلته نكالا) ذكره الزركشي في البرهان واخرجه البيهقي في شعب الايمان. وقد قال الشافعي رحمه الله (ولسان العرب اوسع الالسنة مذهبا و اكثرها الفاظا).
ثم هاك بعض أقوال اهل العلم في فضل اللغة العربية لتستانس بها : قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله إنّ اللغةَ العربيّةَ من الدِّين، ومعرفتُها فرضٌ وواجبٌ، فإنَّ فهم الكِتابِ والسُّنةِ فرضٌ، ولا يُفْهمُ إلاّ باللغةِ العربيةِ، وما لا يتُّمُ الواجبُ إلاّ بهِ فهو واجبٌ) وزاد قائلا : (وليس أثر اعتياد اللغة الفصحى مقصوراً على اللسان، بل يتعمق حتى يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قوياً بيِّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق).
وقال ايضاً : (وما زال السلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات، وهو التكلُّم بغير العربية إلاّ لحاجة، كما نصَّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك : «مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه» مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام).
وقال في موضع آخر (معلومٌ أنّ تعلمَ العربية وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، وكان السلف يؤدّبون أولادهم على اللحن، فنحن مأمورون أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ أن نحفظ القانون العربي، ونُصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنّة، والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو تُرك الناس على لحنهم كان نقصاً وعيباً).
كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله : (وإنّما يعرِفُ فضْلَ القرآن مَنْ عرف كلام العرب، فعرف علم اللغة وعلم العربية، وعلم البيان، ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقاولاتها في مواطن افتخارها، ورسائلها).
وقال الفارابي رحمه الله : (بأنها من كلام أهل الجنّة، وهو المنزّه بين الألسنة من كل نقيصة، والمعلّى من كل خسيسة، ولسان العرب أوسط الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً).
ليضيف الثعالبي إمام اللغة رحمه الله قائلا : (من أحب الله تعالى أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها، وثابر عليها، وصرف همَّته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب) فعلى كل مسلم ان يتعلم العربية ما بلغ جهده حتى يوحد الله ويشهد برسالة نبيه ويتلو الكتاب ويذكر ويسبح ويصلي ويتعبد فالعربية شرط في بعض العبادات كالصلاة مثلا.
ولقد كان الصدر الأول من الأمة المحمدية أهل سليقة عربية، وأصحاب مَلَكة لسانية فكان اللسان العربي عندهم صحيحاً مَحْروساً لا يتَداخَلُه الخلل، ولا يتطرَّق إِلَيْهِ الزلل، إِلى أن فُتِحَت الأمصار، واختلط العربُ بغير جنسهم من الروم والفرس، وغيرهم من أنواع الأمم الذين فتح الله على المسلمين بلادهم، وأفاء عليهم أموالهم ورقابهم، فاختلطت الفرق، وامتزجت الألسن، وتداخلت اللغات، ونشأ بينهم الأولاد، فتعلّموا من اللسان العربي ما لابدّ لهم في الخطاب منه، وحفظوا من اللغة ما لا غنىً لهم في المجاورة عنه، وتركوا ما عداه لعدم الحاجة إِلَيْهِ وأهملوه لقلة الرغبة فيه، حتى استحال اللسان العربي أعجميّاً أَوْ كاد، فلا ترى المستقِلّ به والمحافظ عليه إلا الآحاد، واتخذوه وراءهم ظِهْريّاً فصار نَسْياً منْسِياً وجهله من جهل.
إن مبلغ علمنا أن اللغة وسيلة من وسائل التواصل بين الأفراد والمجتمعات وقناة للمتخاطبين باختلاف رتبهم ودرجاتهم ولغتنا العربية كانت لغة خطاب من المولى تبارك وتعالى الى الخلق وتجسد ذلك من خلال الخطاب القرءاني الكريم الذي هو كلام الله عز وجل الموجه الى خير امة اخرجت للناس وهي امة الاسلام فقد فضل البارئ عز وجل اللغة العربية لتكون كلامه مما زادها اجلالا وتشريفاً قائلاً (حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف : 1-3) وقال ايضا (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الزمر : 28) فما خطب فئة من العرب وما اكثرها تتنكر لهذا الفضل الكبير والشان العظيم فانك ترى كيف يصعب الامر على الانسان اذا ما طولب بالتحدث بالعربية كانما شققت عليه واذا انصرف للتحدث بغيرها انصرف نشطا كانما فك من عقال، فيا للاسف، العربية فعلا غريبة بين ذويها، فحري بنا ان نخاطب بهذا الكلام غيرنا من العجم حتى يستانسوا بلغتنا، ويعرفوا فضلها وقدرها بين اللغات، ولكن المؤسف حقاً اننا نتوجه بهذه الكلمات الى ابناء جلدتنا، واهل عشيرتنا من اتباع لغة الضاد، فبالرغم من انتسابهم الى هذا اللسان البديع الا انك تجد الكثير منهم لايتقنها، ولا يلم بها ولو باساسياتها على الاقل، بل قل ان شئت لايكاد بعضهم يفرق بين الاسم والفعل، فلا فهم معنى ولا ادرك اشارة ولا احسن نطقا ولا احكم اعرابا، فمن اين نجيز نسبته للعرب (اقول هذا واخشى ان ارمى بالمبالغة)، ولكن هو ذا الواقع وهي ذي الحال، اذ ما شهدنا الا بما علمنا، بل ان البعض ممن رايناهم او سمعنا عنهم يسخرون ويزدرون شر سخرية وشر ازدراء ممن يتكلم العربية واصفين اياه بالقدم والبلى وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا لانهم يرون انفسهم في طليعة المتقدمين والمثقفين المتشدقين بلسان العجم فما اجهلهم ولاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
ولقد قرات يوما في احدى الصحف خبرا عن امراة لمحت وليدها يتحدث بالعربية الفصحى، فارتابت وخافت واسرعت به الى الاطباء والحكماء وراودتها بعض الوساوس، بان يكون ولدها قد جن او تعرض للمس ونسيت لجهلها ان هذا هو الاصح، فلو انها سمعته يتلفظ بلغة اجنبية اخرى لفرحت فرحا شديدا به واحتضنته ايما احتضان، بل لاكرمته على شجاعته وانفتاحه، ايعقل هذا التصرف من امراة عربية، يا للعار يا للعار والامثلة على ذلك كثيرة.
فانظر وفقك الله الى من يعرض عن لغة اصطفاها المولى عز وجل لتكون لغة كلامه ولغة افضل من يمشي على الارض ولغة اهل الجنة ويقبل على لغات اخرى لايمكنها نيل الشرف والمكانة التي نالتها العربية فالستر الستر.
فكيف نتخلى عن هذا الكنز الكاض بالالفاظ والمعاني والمزخرف بالوان البيان والبديع والمرونق بالاجراس الموسيقية والايقاعات الحسية وما لها من اثار على النفوس، بل وحتى شكلا، فان لغتنا قابلة للتزويق والتنميق والزخرفة، في قوالب رائعة وتلك خصوصية فنية لها وحدها دون غيرها.
ولقد اعجبني مقال رائع للمفكر الوزير الراحل مولود قاسم نايت بلقاسم وهو الموسوم بعنوان (تكلم لغة قومك) يستهجن فيه التقليد الاعمى لبعض مدعي الثقافة كتقليد الغراب لمشية الحمام، ومن مواقفه ايضا ما ذكره الدكتور المؤرخ يحي بو عزيز رحمه الله ان الوزير كان حاضرا باحدى ملتقيات الفكر الاسلامي التي كان يشرف عليها، وكان يستمع الى محاضرة تاريخية القاها الشيخ المؤرخ المهدي البوعبدللي رحمه الله ومم اثار غضبه انه سمع المؤرخ ينقل الرتب العسكرية للمستعمرون تعريب (الجنرال، الكلونيل، الكابتان) ليعقب عليه في الاخير قائلا في المداخلة اعقمت العربية ان تنجب رتبا مقابلة لما قلت بالفرنسية، وقد نال تعقيبه استحسانا كبيرا لدى الحضور، فنعم الرجل الغيور، رغم كون هذا المذكور امازيغيا حرا، الا انه لم ينس ان الاسلام هو الذي عربه.
ومثل ذلك ما نره من ترطن بعض اخواننا بالفرنسية وخاصة عندما لا يحسنونها، فياليتهم سكتوا وهم في غنى عن ذلك بينهم وبين ابناء العروبة، فالفرنسي يزداد بذلك شعورا بالقيمة والاعتزاز ويزداد في المقابل احتقارا للغتنا المجيدة لان ذويها تخلوا عنها وتسارعوا متكالبين نحو لغته، ولن نلتمس لهم عذرا في ذلك مفضلين الفرنسية او غيرها على لغة الفرقان والايمان والجنان، قال ابن معطي الزواوي يحي بن عبدالنور الجزائري في الفيته النحوية الشهيرة واصفا اللسان العربي : لكونه اشرف ما به نطق كما الرسول خير مخلوق خلق، فكيف نصنع للغتنا هيبتها ومجدها ونحن اول من يدوس عليها، رغم ان فقه اللغة المقارن يقر بمصطلح الهيبة اللغوية الذي طرحه اللغوي (فندريس) في كتابه اللغة، والمراد بهذا الاصطلاح القيمة الذاتية المتعلقة بشدة تمسك الناطقين بها، بحكم الارتباط العاطفي والحضاري والديني.

■ وها أنا ذا سارد بعض أقوال الأعاجم عن هذا اللسان الشريف حتى اكون مقسطا في هذا العرض الوجيز لكي تتسم هذه الأسطر بالموضوعية فاعتبروا يا اولي الابصار :
1- المستشرقة والفيلسوفة الألمانية د. أنا ماري شيمل، بعد ترجمتها للقرآنَ الكريمِ الى الألمانية تقول : (واللغةُ العربيةُ لغةٌ موسيقيّةٌ للغايةِ، ولا أستطيعُ أن أقول إلاّ أنها لا بُدَّ أنْ تكونَ لغةُ الجنّةِ).
2- المستشرق الفرنسي رينان : (من أغرب المُدْهِشات أن تنبتَ تلك اللغةُ القوميّةُ وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمّةٍ من الرُحّل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرةِ مفرداتها ودقّةِ معانيها وحسنِ نظامِ مبانيها، ولم يُعرف لها في كلّ أطوار حياتها طفولةٌ ولا شيخوخةٌ، ولا نكاد نعلم من شأنها إلاّ فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تُبارى ولا نعرف شبيهاً بهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملةً من غير تدرّج وبقيت حافظةً لكيانها من كلّ شائبة).
3- المستشرق الألماني يوهان فك : (إن العربية الفصحى لتدين حتى يومنا هذا بمركزها العالمي أساسياً لهذه الحقيقة الثابتة، لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر، وإذا صدقت البوادر ولم تخطئ الدلائل فستحتفظ العربية بهذا المقام العتيد من حيث هي لغة المدنية الإسلامية).
4- جوستاف جرونيباوم : (عندما أوحى الله رسالته إلى رسوله محمد أنزلها «قرآناً عربياً» والله يقول لنبيّه : «فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لدّاً»، وما من لغة تستطيع أن تطاول اللغة العربية في شرفها، فهي الوسيلة التي اختيرت لتحمل رسالة الله النهائية، وليست منزلتها الروحية هي وحدها التي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قوة وبيان، أما السعة فالأمر فيها واضح، ومن يتّبع جميع اللغات لا يجد فيها على ما سمعته لغة تضاهي اللغة العربية، ويُضاف جمال الصوت إلى ثروتها المدهشة في المترادفات، وتزيّن الدقة ووجازة التعبير لغة العرب، وتمتاز العربية بما ليس له ضريب من اليسر في استعمال المجاز، وإن ما بها من كنايات ومجازات واستعارات ليرفعها كثيراً فوق كل لغة بشرية أخرى، وهي مع هذه السعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال المعاني، وفي النقل إليها، يبيّن ذلك أن الصورة العربية لأيّ مثل أجنبيّ أقصر في جميع الحالات).
5- شيخ المستشرقين المستشرق الألماني نولدكه عن العربية وفضلها وقيمتها : (إن اللغة العربية لم تَصِرْ حقّاً عالميةً إلا بسبب القرآن والإسلام، لا بدّ أن يزداد تعجب المرء من وفرة مفردات اللغة العربية، وهكذا أصبحت اللغة (البدويّة) لغةً للدين والمنتديات وشؤون الحياة الرفيعة، وفي شوارع المدينة، ثم أصبحت لغةَ المعاملات والعلوم، وإن كلَّ مؤمنٍ غالباً جداً ما يتلو يومياً في الصلاة بعض أجزاء من القرآن، ومعظم المسلمين يفهمون بالطبع بعض ما يتلون أو يسمعون، وهكذا كان لا بُدّ أن يكون لهذا الكتاب من التأثير على لغة المنطقة المتّسعة ما لم يكن لأيّ كتابٍ سواه في العالم).
6- المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون : (واللغة العربية هي التي أدخلت في الغرب طريقة التعبير العلمي، والعربية من أنقى اللغات، فقد تفرّدت بتفرّدها في طرق التعبير العلمي والفني والصوفي، ثم ذلك الإيجاز الذي تتسم به اللغة العربية والذي لا شبيه له في سائر لغات العالم والذي يُعدّ معجزةً لغويةً كما قال البيروني).
7- المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة : (كيف يستطيع الإنسان أن يُقاوم جمالَ هذه اللغة ومنطقَها السليم وسحرَها الفريد ؟ فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى تحت سحر تلك اللغة، بل إن اللغة الآرامية لغة المسيح قد تخلّت إلى الأبد عن مركزها لتحتلّ مكانها لغة محمد).
8- المستشرق الألماني كارل بروكلمان : (بلغت العربية بفضل القرآن من الاتساع مدىً لا تكاد تعرفه أيُّ لغةٍ أخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعاً مؤمنون بأن العربية وحدها اللسانُ الذي أُحِلّ لهم أن يستعملوه في صلاتهم).
9- د. جورج سارتون : (وهبَ اللهُ اللغة العربية مرونةً جعلتها قادرةً على أن تدوّن الوحي أحسن تدوين، بجميع دقائق معانيه ولغاته، وأن تعبّر عنه بعباراتٍ عليها طلاوة وفيها متانة).
10- المستشرق ريتر أستاذ اللغات الشرقية بجامعة إستنبول : (إن اللغة العربية أسهل لغات العالم وأوضحها، فمن العبث إجهاد النفس في ابتكار طريقةٍ جديدةٍ لتسهيل السهل وتوضيح الواضح الكتابة الإفرنجية معقّدةٌ والكتابة العربية واضحةٌ كلّ الوضوح، فإذا ما فتحتَ أيّ خطابٍ فلن تجدَ صعوبةً في قراءةِ أردأ خطٍّ به، وهذه هي طبيعة الكتابة العربية التي تتسم بالسهولة والوضوح).
11- أشاد ماريو بِلْ مؤلف كتاب «قصة اللغات» بأن العربية هي اللغة العالمية في حضارات العصور الوسطى، وكانت رافداً عظيماً للإنكليزية في نهضتها وكثيرٍ من الأوربيّات، وقد أورد قاموسا لقوائمَ مما اقتبسته هذه اللغات من مفرداتٍ عربيةٍ، وكانت أولها الإسبانية ثم الفرنسية والإيطالية واليونانية والمجرية وكذلك الأرمنية والروسية وغيرها، ومجموعها سبع وعشرون لغة، وتقدر المفردات بالآلاف.
12- المستشرق الألماني فرنباغ : (ليست لغة العرب أغنى لغات العالم فحسب، بل إن الذين نبغوا في التأليف بها لا يكاد يأتي عليهم العدّ، وإن اختلافنا عنهم في الزمان والسجايا والأخلاق أقام بيننا نحن الغرباء عن العربية وبين ما ألفوه حجاباً لا يتبيّن ما وراءه إلاّ بصعوبة).
13- الأستاذ ميليه : (إن اللغة العربية لم تتراجع عن أرض دخلتها لتأثيرها الناشئ من كونها لغة دين ولغة مدنية، وعلى الرغم من الجهود التي بذلها المبشرون، لم يخرج أحد من الإسلام إلى النصرانية، ولم تبق لغة أوربية واحدة لم يصلها شيء من اللسان العربي المبين، حتى اللغة اللاتينية الأم الكبرى، فقد صارت وعاءً لنقل المفردات العربية إلى بناتها) (الفصحى لغة القرآن - أنور الجندي).
14- الفرنسي جاك بيرك : (إن أقوى القوى التي قاومت الاستعمار الفرنسي في المغرب هي اللغة العربية، بل اللغة العربية الكلاسيكية الفصحى بالذات، فهي التي حالت دون ذوبان المغرب في فرنسا، إن الكلاسيكية العربية هي التي بلورت الأصالة الجزائرية، وقد كانت هذه الكلاسيكية العربية عاملاً قوياً في بقاء الشعوب العربية) (الفصحى لغة القرآن - أنور الجندي).

■ هذا الكلام لمن وعى، إذ ليس للإنسان إلا ما سعى، وقد اجتهدت ان اكتب هذه الاسطر المتواضعة ناقلا بعض اقوال اهل العلم والفكر من العرب والعجم، حتى اوبخ نفسي اولا ثم غيري ثانيا على هذا التقصير الشنيع في حق لساننا البديع، كما اعتبر هذا المجهود البسيط مساهمة في خدمة لغتنا العظيمة وتعبيرا عن السخط من الوضع الحالي، فصاحب هذه الكلمات يدرس العربية ويلمس عن قرب المدى السلبي في تفاعل المجتمع معها، فحقا ان لغتنا غريبة مهجورة بين ذويها المتنكرين لها، فهل من مجيب ؟ واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

 0  0  3278
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:21 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.