• ×

07:01 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ الحمد لله والحمد من آلائه، له الشكر على فضله ونعمائه، واصلي واسلم على سيدنا محمد صفوة خلقه من أنبيائه، وعلى آله وصحبه عباد الله وأوليائه، وبعد :
فهذه أجوبة مختصرة لبعض ما يراود المسلمين من تساؤلات، جمعت فيها أقوال أهل العلم من شتى المذاهب، إن أريد فيها إلا النفع ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، واليه أنيب، وموضوعاتها : (الغناء ـ الموسيقى ـ التصوير ـ التمثيل) والله اسأل العون والتوفيق أنه على ذلك إذ يشاء قدير وبالإجابة جدير.

■ حكم الغناء والموسيقى والاستماع إليهما :
اعلم أن سماع الصوت الحسن فيه لذة فطرية، فتلك ميزة جبل الناس عليها، ولعلك تلاحظ الطفل الصغير كيف يتجاوب ويتناغم مع الإيقاع بلا شعور أو إدراك، بل حتى الحيوانات تراها ترقص وتترنح بل وتهيج أحياناً كما في السير والآثار أن الكثير من ذوي الأصوات الحسنة تسببوا في هيجان الخيل والإبل ومنه ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الطرب خوفاً على النسوة اللواتي كن في الهودج : (رفقاً بالقوارير) قال أبو حامد الغزالي في باب السماع والوجد : (أن السماع هو استماع صوت طيب موزون مفهوم المعنى، محرك للقلب، وليس في جملة ذلك إلا اللذة السمعية والقلبية، كتلذذ البصر بالنظر إلى الخضرة، وقد قال الله عز وجل : (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فاطر : 1) ففسروه بالصوت الحسن، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبي موسى الأشعري : (لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود) ويقاس على ذلك - القول للغزالي - ما يسمع من الأجسام كالطبل والقصب والدف، فلا يستثنى من جملتها إلا ما ورد النص بتحريمه، وذلك كالأوتار والمزامير التي كانت معتادة للشرب - أي : كانت تصحب الخمر - فبمنع شرب الخمر منعت متمماته وتوابعه، وقد روي عن الصحابة التغني بأبيات شعرية، فقد جاء في الصحيحين عن أبي بكر وبلال رضي الله عنهما لما قدما المدينة، مرض بلال فإذا أقلعت عنه قال رافعاً صوته :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ● ● ● بواد وحولي اذخر وجليل

وقال أبو بكر رضي الله عنه :
كل أمرئ مصبح في أهله والموت ● ● ● ادنى من شراك نعله
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ردد : إن العيش عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة، ولا يكره السماع عند العرس والوليمة وغيرها لأن فيها تحريكاً لسرور مباح أو مندوب، وما إنشاد النسوة بالدف والألحان عند قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلا دليل على هذا، وروى مسلم والبخاري في صحيحيهما عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى يدفقان ويضربان، وفي رواية أخرى يغنيان ويضربان، والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه، فانتهاهما أبو بكر، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال : (دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد) فدلت هذه الأحاديث على إباحة السماع إذا لم يكن يخاف الفتنة.

■ وعندنا في الفقه المالكي يرى السادة المالكية أن تحريم الغناء جاء لأربعة أوجه :
1- غناء المرأة لأن صوتها لا يحل سماعه.
2- إذا اقترن بآلة لهو كالمزامير والأوتار.
3- إذا كان المغنى أي الكلام مما لا يجوز.
4- إذا كان هذا الغناء يحرك قلب السامع إلى ما لا ينبغي.
وقد فسر الكثير من أهل العلم الغناء باللهو انطلاقاً من قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (لقمان : 6).
فقد قال ابن العربي روى عبدالله بن المبارك عن مالك بن انس عن محمد بن المنكدر عن انس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلس إلى قينة يسمع منها صب في أذنيه الانك يوم القيامة) أقول والقينة المرأة المغنية أما الانك كالرصاص الساخن المذاب وقانا الله جميعا.
وقد اخبر مالك نفسه أنه اشتهر في صغره بصنعة الغناء وأحبها فنهته أمه وأمرته بالاشتغال بطلب العلم، فأنظر إلى دور أمهات السلف، ولو كان مثل ذلك اليوم لكان الأمر عكس ما وقع، لانتشار اللهو وسعة التكسب منه على حساب العلم الذي لا يجني منه طلابه سوى الاحتقار من المجتمع، فالحمد لله وحده، فلولا هذه الأم لما صار مالك هو مالك، جبل من العلم يجله العلماء ويهابه الطلاب ويكرمه الخلفاء.
كما روى القرطبي أيضاً أن ابن القاسم سأل مالكاً عن الغناء فقال له : قال الله تعالى : (فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ) (يونس : 32)، افحق هو ؟
وعند مشايخ نجد وما جاورها الأغاني منكرة ومحرمة وكذا الاستماع إليها وإذا صاحبها في ذلك طبل أو وتر أو ما شابهه صار التحريم اشد، لأن ذلك سبب مرض القلوب وقسوتها وصدها عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون والحرير والخمر والمعازف).
أما الزوج فيشرع فيه ضرب الدف مع الغناء المعتاد الذي ليس فيه دعوة إلى محرم ولا مدح لمحرم ويكون للنساء خاصة في وقت من الليل لإعلان النكاح كما صرحت السنة بذلك، ولا يجوز استعمال مكبرات الصوت لما في ذلك من الفتنة وإيذاء المسلمين - كما يحدث اليوم للآسف - وهي فتوى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله.
والخلاصة أن المسلم له الخيرة في أمره والحكم، فأن وجد في نفسه الميل إلى الغناء دون ما حرم الله عز وجل منه وودون الاشتغال به عن العبادة والذكر، فعل لانتفاء علة التحريم.
فأنت تنظر وتسمع كل يوم الموسيقى والغناء مجبراً حتى في مقدمات ونهايات الأخبار والحصص والأشرطة التعليمية والفتاوى الدينية في كل الدول الإسلامية دون استثناء، والله اعلم وهو الموفق للصواب.

■ حكم التصوير :
هناك أدلة كثيرة تحرم التصوير، منها ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (أن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم احيوا ما خلقتم) رواه البخاري.
فمن هذا الحديث ومن غيره تفهم العلة وهي مذكورة ومصرح بها، لكون التصوير المحرم تشبه بالخالق أو انشغال عنه، ومن المشايخ من راح يعمم الحكم دون مبالاة، لكن الجمهور اتفقوا أن الصور العائلية والخاصة والإدارية التي لا تحمل معنى الكفر أو الشرك لا تدخل في هذا التحريم، فجهل القدماء ربما بتحول طرائق العيش جعلهم يعممون النهي لعدم معرفتهم بالآلة المصورة التي تعكس الصور الحقيقية للناس والأشياء تماماً كالمرآة بفعل الأشعة، فلم يقصر القدماء في فتواهم، إنما الغريب في المتأخرين الذين اكتفوا بالتقليد دونما أدنى نظر أو تمحيص، فها هو احد العلماء الأجلاء الذين ذاع صيتهم وهو العلامة العثيمين رحمه الله تعالى يفتى في إحدى رسائله أن الصور والتماثيل حتى ولو قصد التعلم حرام، ولم يتسن لي التأكد من صحة الفتوى ونسبتها إلى الشيخ، فقلت في نفسي وأنا أقراؤها إذا كيف يتعلم الطبيب التشريح والشق والجراحة وهو لا يعرف أصلاً شيئاً عن جسم الإنسان وباطنه وجمجمته أو قلبه أو نحو ذلك ؟ فهذا هدم للعلم لا خدمة له، وعندنا في الأصول الأمور بمقاصدها، فلم التعميم إذن.
وكم من مفقود انعدمت سبل العثور عليه لولا الصور الخاصة التي ساعدت فاعلي الخير في الوصول إليه، فلا مجال للجمود الفقهي وإلا فالرجوع والتخلف، في حين أعداؤنا يتقدمون إلى الأمام ونحن نتراجع عشرات الخطوات نحو الوراء، فصرنا نسمع بمن يقول أن من زعم صعود الإنسان إلى القمر فقد كفر، ولست اقصد بهذا زيداً ولا عمراً من الناس، ولكن لأوضح الفكرة عموماً لا خصوصاً، والله وحده اعلم.

■ حكم التمثيل :
سنضع أنفسنا أمام صورة، فبالمثال يتضح المقال، نأخذ كوباً فارغاً خالياً، هل هذا الكوب محرم ؟ بالتأكيد ستكون الإجابة لا، لنملأ الكوب ماءاً أو حليباً، فهل في ذلك تحريم ؟ الجواب كلا، ولو أفرغنا بالكوب خمراً لقلنا متفقين أنه حرام.
فكذلك شأن التمثيل الذي هو نشاط يمزج بين الفكر والجسد بملامحه، وكثيراً ما يخصص للمتمدرسين للتدرب على تقمص الأدوار بلا اختلاط أو معصية أو مجرد إشارة أو تلميح، وتكون الموضوعات المختارة إسلامية أخلاقية وتاريخية تؤتي أكلها من النفع والمصلحة العامة للمسلمين، عطفاً على كونه مجالاً رحباً لنزهة الخاطر والترفيه عن النفس، فلا خلاف في ذلك، فأنظر رحمت الله مثلاً إلى فيلم الرسالة مع ما فيه من التحفظات، هو عمل يؤرخ للإسلام والمسلمين، وكان سبباً لإعجاب الكثيرين من أهل الملل وحتى الغافلين منا بهذا الدين، أن لم اقل إسلام بعضهم، ناهيك عن تعريف الأجيال بكبار الصحابة وشيء من سيرهم، ولا نعرف فيلماً أو مسرحية أو عملاً تلفزيونياً إلا ترك انطباعاً و أثراً رهيبين، فكيف إذا كان هذا العمل إسلامياً تربوياً.
بل الكثير ممن أدمنوا على التلفاز ولم يقدروا على مفارقته، لا بد من تعويضهم بما هو خير وانفع، فنحن في صراع بين الخير والشر في كل شيء، حتى في التمثيل والدراما، وإلا فتحنا المجال بمصراعيه واهدنا الفرصة الذهبية لمن يريدون تخريب امتنا وهدم كياننا وعقيدتنا.

■ فلاحظ أخي المسلم :
ماذا يصدر إلينا من خلاعة، وأنظر إلى الذين انخدعوا بمثل هذه الثقافات الهدامة، العري الفاضح والاختلاط والكذب والزواج والنوم مع الأجنبيات - ويقول لك هذا من متطلبات الدور - الطلاق و..، كلهم من أبناء جلدتنا للأسف ممن يجارون الهنود واللاتينيين والأسبان والأتراك ومن عزف عزفهم، فنحن نبحث عن الالتزام والانضباط والتخلق بقيم الدين الأصيل ووطنيتنا وثقافتنا لا كما يحلو لأعدائنا.

■ وختاماً أقول :
لإخواننا الذين انخدعوا وغر بهم وأصبحوا من دعاة الانحلال أما أن لكم أن تكفوا فقد جلبتم لنا العار وقدمتم شبابنا إلى الانتحار، وعموماً لا حرج في التمثيل إذا قصد منه حفظ الدين ولم يخالف نصاً شرعياً قطعياً. والله اعلم، وفوق كل ذي علم عليم. ربنا تجاوز عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 0  0  2641
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:01 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.