• ×

05:22 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ يقال : (من أخفى داءه مات به) لا أتمنى أن يكون داء السرطان قد استشرى بأجسامنا وسرى بدمائنا، ونحن أمام الآخرين ننكر ذلك، ونعتقد أنّ بإخفائه راحة نفسية لنا من الفضوليين والحساد، نموت به ولا يتشفى منا أعداؤنا.
كثيرة هي المؤسسات التعليمية، لا سيّما بالثانوية منها، التي ينطبق عليها هذا الوصف الأليم، الحزين، الذي ساهم ويساهم في انحطاط التعليم ببلادنا على مرأى ومسمع الجميع، أساتذة كانوا أو مسئولين إداريين أو أولياء التلاميذ .. الكلّ يعلم أنّ القيم الأخلاقية قد ضعفت، والعناية الأسرية قد ضعفت هي الأخرى، وأصبح أبناؤنا الذين لم يعودوا أكبادنا تسير على الأرض، بل هي مشردة وتائهة في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا شجر، بلا مربٍّ ولا قائد يوجهها إلى الوجهة السليمة والآمنة.
في هذا الجوّ الأليم والحزين، يتربى أبناؤنا، فيأخذون كلّ ما هو سيء، ويتغذون بكل ما هو فاسد من الأسرة التي فقدت وظيفتها، والمحيط الذي أصبح كالمستنقع الآسن، الدخول فيه أسهل من الخروج منه، والمدرسة التي تقع على ضفاف هذا المستنقع لم تستطع، أو هكذا أريد لها أن تكون هي الأخرى امتداداً لمسار التلميذ الذي يمتد من الأسرة إلى المحيط إلى المدرسة الفاشلة.
تدخل إلى القسم فلا تشاهد إلا ما يندى له جبين الأخلاق والتربية السليمة : طاولات وكراس محطمة، جدران كتب عليها ما لا يقرأ وصور ما لا عين تشاهد، أوراق ممزقة منتشرة على مساحة القسم، نوافذ مكسرة، وأشياء أخرى.
يدخل الأستاذ الذي كاد أن يصبح رسولاً منهوكاً متعباً من ثقل المسئولية الملقاة على عاتقه، وهي تربية أجيال متخرجة من أسرة فاقدة لدورها ومستنقع آسن تهابه جميع دول العالم لخطورته فتقوم بتضييقه وحصره قدر الإمكان، إلا في بلادنا التي تزيد من رقعته واتساعه، ثمّ يطالب الأستاذ المسكين بتدريس الآداب والشرائع السماوية وتعليم القانون والانضباط لجمع هائج ثائر رافض لكل عقل سليم.
يصطدم الأستاذ أحياناً كثيرة بكلام فاحش من أحدهم، أو بصوت مزعج، بحركة تحدث شغباً، فيحاول إصلاحها، توجيهها، تهذيبها فلا يقوى لأنّ المصيبة أكبر مما يمكن تحمله، فلا التأديب والكلام الحسن يؤتي ثماره، لقد تعود الجميع ردّ السيئة بالسيئة، والسن بالسن. يغضب الأستاذ فيمطر التلميذ بوابل من الشتائم، ويغضب التلميذ فيتمرد بطريقته، تتكهرب الأمور وتتعفن وبعدها يصبح القسم لا يطاق.
شرع التربويون طرقاً وقوانين تردع أحياناً وتضبط سلوك التلاميذ، وسموها بالمجالس التأديبية، فيها يحال التلميذ إليها عند الضرورة، تصلح اعوجاجه وتعيده إلى الطريق السليم.
ما ألاحظه في السنوات الأخيرة، تقاعس المديرين وتماطلهم في إحالة التلاميذ على المجالس التأديبية، وكلّ مدير يحاول إرضاء مسئوليه وإقناعهم بأنه متحكم في مؤسسته رغم ما تعانيه من أمراض وسلوكات طائشة يسعى دائماً لإخفاء عيوبه وإبراز محاسنه بحثاً عن مركز يتبوأه، أو مسئولية أخرى يرتقي إليها، على حساب أعصاب الأستاذ، ومعاناة الأستاذ ومرض الأستاذ. إنه المسئول المعين لإدراة مؤسسة تربوية مكلفة بإنتاج جيل متعلم وواع، جيل متخلق وطموح، جيل يحمل مشعل أسلافه إلى مستقبل آخر ليسلمه إلى خلفه. هذا المدير الذي يحوّل مدرسته إلى مؤسسة لإنتاج المشاغبين والسذج، الجهلة والعلوج، يكرم في نهاية السنة وقد يرقى إلى مصاف عال جزاء تأديته لمهامه، أليس الرداءة هي أمّ الانحطاط ؟

 0  0  2414
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:22 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.