• ×

07:05 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ إضاءات في قوة الإرادة :
■ الإضاءة الأولى .. قوة الإرادة والهمة العالية : الهمة العالية مطلب عظيم يتمناه أصحاب النفوس الكبيرة التي تتوق إلى المعالي، وقوة الإرادة هي وقود هذه الهمة العالية فبدون هذا الوقود - بعد توفيق الله عز وجل - لن يتم لهذه الهمة منالها ومبتغاها، ولعل خير شاهد على ذلك ما قرأتَ وما رأيتَ من همة العلماء وطلبة العلم وكيف أنهم استطاعوا بعد توفيق الله من تحقيق أعمال وكأنها أشبه بالخوارق لكن تلك الإرادة التي رُدفت بهمة عالية كانت طريقاً لذلك، وإليك مثالين على ذلك لعالمين جليلين أحدهما متقدم والآخر معاصر، فالأول هو الإمام / الطبري رحمه الله المفسر المعروف الذي قيل عنه كل المفسرين عيال على الإمام / الطبري يعني في علمه بالتفسير رحمه الله، ذكر أهل العلم أنك لو نظرت إلى أحد كتبه الكبار كالتاريخ أو التفسير ثم نظرت إلى عمره رحمه الله، لوجدت أنه يكتب في اليوم ما يقارب الخمسين ورقة، كيف وهو قد ألف غيرهما ؟!
وأما المثال فللإمام / عبدالعزيز بن باز رحمه الله، فقد ذكر جمع ممن صاحبه بركة الوقت لحياة هذا الإمام رحمه الله حتى أنه لا ينام في اليوم والليلة أكثر من أربع ساعات، فلله درهما ورحمهما الله.

■ الإضاءة الثانية .. قوة الإرادة طريق لإنجاز أشياء غير متوقعة : الغالب من الناس يتصور في نفسه قصوراً متوهماً، وكأن أصحاب الإنجازات ليسوا من البشر، فإذا نظر إلى حافظ القرآن، أو إلى طالب متفوق في دراسته، أو إلى مبتكر، أو إلى عالم، أو إلى خطيب، أو إنسان متميز قلل من نفسه واتهم ذاته بعدم القدرة على مقارعة هؤلاء، واستمر على ما هو عليه ؟ في مكانه لا يتقدم إن لم يكن يتراجع، فهذا وأمثاله ندعوهم دعوة صادقة للتوكل على الله أولاً، ومن ثم نريد منهم نفض غبار الأوهام وارتداء رداء قوة الإرادة بعزيمة تتهاوى معها كل المثبطات والعوائق، وسيلحظ بإذن الله الفرق قريباً.

■ الإضاءة الثالثة .. قوة الإرادة طريق لفتح آفاق جديدة لم تخطر بالبال : الضعف الذي يعتري البعض يكمن في قصره لا مكانته وقدراته في معين واحد وكأنه لا يجيد غيره وكأنه لا يعرف سواه وبذلك تضعف همته وإرادته إلى التطلع إلى غير ذلك، حتى وإنه للأسف أن هذه السياسة النفسية بدت تُدار للبعض ليس عن طريق أنفسهم بل عن طريق غيرهم، وكأنك تطلب مثالاً على ذلك، فها أنا أعطيك مثالاً على هذا الداء العضال، فمن ذلك إلزام الأب ابنه أو ابنته تخصصاً دراسياً معيناً في المرحلة الثانوية أو الجامعية، وقد يكون ميول الإبن أو البنت لتخصص آخر قد يبدع فيه ويتفوق لكن حرجه من والديه قد يكون عائقاً في مثل ذلك، والبعض قد يختار تخصصه نزولاً لرغبة صديق له وهكذا دواليك، فقوة الإرادة بعد توفيق الله سبيل لتخصص مناسب وطريق لإكتساب مهارات جديدة، ووسيلة لإكتشاف إبداع مدفون، حملت لنا كتب التاريخ القصة التالية : كان الإمام / مالك إمام دار الهجرة يطلب العلم على يدي والده أنس وكان أخوه عبدالله يطلب العلم كذلك على يدي والده، لكن الإمام / مالك رحمه الله كان منشغلاً بشيء يلهيهه عن اللحاق بركب أخيه في الطلب، لقد منشغلاً بتربية الحمام، وذات يوم والإمام / مالك يُسمع ما حفظه على أبيه فوقع الخطأ منه مراراً ولم يتقن الحفظ هذه المرة، فقال له أبوه كلمة أيقظت الإرادة في نفسه، قال له يا مالك لقد شغلك الحمام عن الحفظ، هذه الجملة غيرت حياة الإمام / مالك فقد أيقظت إرادته وعزيمته وهمته لطلب العلم حتى أصبح إمام الدنيا في الفقه والحديث.
هناك تخصصات ومهارات ومعارف وإبداعات تحتاج منا فقط بعد توفيق الله إلى إرادة قوية ثم ستتحول إلى أرض الواقع بعد أن كانت مجرد أماني.

■ الإضاءة الرابعة .. قوة الإرادة طريق للإتقان : لا يستوي رجلان يعملان عملاً واحداً لكن أحدهما متقن والآخر مفرط غير متقن أو إتقانه دون مستوى الأول، الكل يعمل لكن شتان بين العملين، وأتذكر في هذا المقام قولاً رائعاً للإمام ابن القيم رحمه الله عندما وصف رجلين في الصلاة يصليان بجوار بعضهما أحدهما متقن خاشع في صلاته والآخر مفرط قد خرج بفكره عن الصلاة، قال الإمام رحمه الله : فأحدهما قلبه معلق بالعرش والآخر قلبه معلق بالحش - بالقاذورات والنجاسات -، الأول المتقن كان موفقاً لإرادة قوية قادته إلى مقصده الأسمى بعد توفيق الله، أما الثاني فضعفت عزيمته وإرادته، فصلى صلاة بلا روح وهو قادر على أن يفعل ما فعل الأول، فالإتقان في العمل متيسر متى ما بحثت عن مظانه وسلكت طرقه وكانت إرادتك تبعاً للتوكل على ربك.

■ الإضاءة الخامسة .. قوة الإرادة طريق للقضاء على العادات السيئة : ولعلي أبدأ هذا العنصر بقصة تروى لملك من ملوك الشرق الأقصى - وقد تكون مجرد رواية ولكن فيها عبرة - هذا الرجل كان - أجلكم الله - لا تأتيه السعادة إلا إذا شرب كأساً من بوله الخاص، وتمضي الأيام ويتناقل الناس الخبر، فيأتيه كبير وزرائه ليساره ويناصحه، فيعزم على ترك هذه العادة القبيحة ولا يستطيع فيجمع الأطباء والحكماء ليأتوه بالدواء، وكأن داءه بلا دواء ويخطئ الكل ويصيب واحد منهم الهدف ويصل إلى الحل ويطلب من الملك الوعد بالتنفيذ وكل في اشتياق إلى معرفة الدواء فيعلنها ذاك الطبيب الحكيم، للملك إنك تحتاج فقط إلى عزمة من عزمات الرجال، نعم فقط لا يحتاج إلى أكثر من ذلك إرادة قوية تحطم أغلال تلك العادة القبيحة، وهكذا كم وكم نخطئ في حق ربنا وحق نفسنا وحق غيرنا، ونكرر الخطأ ونزعم أن الحل صعب وأنها أصبحت عادة فلا مفك منها، ولا مناص من فعلها، فنقع في الخطأ مرة وأكثر، من الآن يا أُخي اعزم عزمة من عزمات الرجال وتوكل على الله قبل ذلك، وليكن ذلك آخر عهدك بكل عادة سيئة أو أمر محرم .. ومن مثال ذلك شخصياً وبينما كنت معلما باليمن في سنتي 1996 - 1997م، حدث وأن أصبت بمكان اقامتي بأسهال شديد - اعزكم الله - وكان شبه تسمم حيث كان يرافقني قئ ومراجعة كامل الغذاء بل كل لقمة خلال 3 أيام بعد تناولي اياها، وبينما أنا ممدد على سرير الاسعاف والطوارئ، تذكرت أن زملائي المعلمين السودانيين - بنفس المدرسة - اسنانهم بيضاء ناصعة لكن بشرتهم سمراء أو سوداء، لكن كلا منا يستعمل فرشاة الأسنان والمعجون الخاص به، لكن اسناني مصبوغة بلون الشاي بشكل كبير ولم تنفع بها الفرشاة ولا أي نوع من المعاجين المشهورة بالصيدليات، فعزوت ذلك إلى لون الصبغة الموجودة بالشاي - نظراً لكثرة وتكرار شرب الشاي باليوم الواحد عدة مرات واصبح ذلك ادماناً منذ الصغر بل منذ ذلك اليوم الذي كنت دون سن الدراسة وما يقارب الـ4 سنوات عندما كنت بجانب المرحومة والدتي تعجن عجين الخبز وأبريق الشاي على نار الدافور - الابريموس - فانقلب الأبريق على رجلي اليسرى وحرقت من حرارة ماء الشاي المغلي بدرجة التبخر 100 درجة مؤوية - فصممت على تناول كوب من بقية ذلك الشاي بالأبريق حتى جاء يوم الأسهال باليمن بعد نحو 41 عاماً وأنا مدمن جداً على الشاي - فقررت فجأة وعد نفسي بعدم شرب الشاي بتاتاً، ومنذ ذلك اليوم في عام 1997م وحتى اليوم وأنا عازم على ترك الشاي - إلا من باب الإضطرار عند الناس كضيف معزز مكرم عندهم أو تكون أول زيارة لهم - ولكنني بصراحة اصبحت مدمناً على القهوة التركية بدلاً من الشاي - وأنني أؤيد ذلك الطبيب الذي عزم على الملك بالإرادة والعزيمة بترك شرب البول.

■ الإضاءة السادسة .. ضع لك هدفاً ولا تنس الوقت المناسب للإنجاز : ومن الآن وقبل أن تفتر عزيمتك وتضعف إرادتك ضع لك هدفاً أو أكثر (كحفظ القرآن أو أجزاء منه، أو حفظ متن من المتون، أو تفوق في دراسة، أو مداومة على قراءة حزب يومي من القرآن، أو كتابة بحث، أو عمل مشروع يخدم دينك وأمتك، أو إقامة مشروع تجاري، أو ..) وتذكر وأنت تحدد الهدف أنه يلزمك الإلتفات إلى النقاط التالية ليتحقق المراد بإذن الله :
♦ ابدأ وثق بالله ثم بنفسك وقدراتك .
♦ توكل على الله وكن متفائلاً .
♦ لا تكثر على نفسك .
♦ لا تتردد .
♦ لا تستعجل في طلب النتائج .
♦ لا تزعم الفشل وأنت لم تحاول إلا مرة واحدة .
♦ لا تلتفت إلى الرسائل السلبية منك أو من غيرك (مثل : أنت لا تصلح لهذا العمل - سبق أن جربت ولم أنجح - ... الخ).

 1  0  2462
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1433-12-16 10:25 مساءً د .احمد محمد ابو عوض - الاردن :
    اخواني الاعزاء الكرام
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد
    فالحاقا لنفسالموضوع عن قوة الارادة الذاتية لأي شخص ، فيسعدني أن اورد القصة التالية من ضمن محاضرات فضيلة د. محمد راتب النابلسي - فيقول :
    قال لي صديق بان له صاحب مصنع او مصلحة تجارية كبيرة في سوريا أن يبحث له عن عامل او موظف ملتزم بالدين الاسلامي الحنيف - لاسيما بالمحافظة على الصلاة والامانة بالعمل سواء بحضور المعلم ( صاحب العمل ) أو خلال غيابه ، فيقول صديق فضيلة الشيخ النابلسي :
    وجدت له شابا أمينا من رواد المساجد وعليه ملامح الوقار ومعرفتي بأهله وأجداده جعلني أزكيه وأحدثه بطلب صديقي المعلم ( صاحب العمل ) وقلت له : إن صديقي هذا سوف يعطيك عشرة آلاف ليرة سورية بالشهر ( اي ما يعادل ) وحيث انني اعرف اصلك وفصلك من حيث الاباء والاجداد ومحافظتك على صلاة الجماعة والامانة - التي اتوقع ان لا يخيب ظني بك فيها - ولكن له شرط وحيد ! فقال الشاب بلهفة : وما هو الشرط الوحيد يا سيدي ؟ فقال :: ممنوع التدخين بتاتا !!! فقال الشاب : هذا شئ انا مدمن عليه ولا استطيع أن أتركه ! فقال الرجل : إذن أنت انسان لا تريد الرزق والعمل من اجل ادمانك على الدخان ... وسيكون ذنب تكاسلك عن رزق اهلك واولادك في عنقك يوم القيتمة بعد الحياة الدنيا !
    ففكر الشاب لحظة وهو مطرق رأسه ، ثم قال : يا سيدي منذ الآن أعاهدك ان لا أدخن سيجارة واحدة ما دمت حيا .
    فهذا مثال حديث وجديد من قصص فضيلة د. الشيخ محمد راتب النابلسي - حفظه الله تعالى وأمد في عمره وبارك فيه وحيث انه قد زارنا في مدينة اربد قبل 3 سنوات بمحاضرة احتشد لها الالاف من الرجال والنساء رغبة بالاستماع اليه ومشاهدة شخصه المحبب للخلق من الله تعالى لاسلوبه التربوي الجذاب - ومن يرغب الاستزادة من قصصه ومحاضراته المصورة فارجو ان يتجه صوب اليوتيوب - بالصوت والصورة -
    نعم ان الارادة القوية تزيل الجبال وتقتل المستحيل وتوقظ الغافل والكسول ، وصاحب الارادة القوية يكون ممن قال فيهم الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : المؤمن القوي خير واحب الى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير ) والمقصود بوجود الخير في المؤمن الضعيف هو الذي تحلى بالايمان الصادق ولكن قوة جسمه او همته الضعيفة لاسباب صحية او مادية لا تساعده على المساواة والمناددة والمشابهة والمحاكاة للمؤمن القوي ، ولكن ليست المساواة التامة .
    والله ولي التوفيق

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:05 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.