• ×

09:47 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ الطفل واكتساب اللغة بين النظرية والتطبيق ـ الدكتور علي القاسمي ـ العراق.
■ غرض الدراسة :‏
ترمي هذه الدراسة إلى فحص مسألة النمو اللغوي لدى الفرد خاصّةً اكتسابه اللّغة. ولما كان للغة العربية مستويان : أحدهما عاميّ والآخر فصيح، فإنّ الدراسة تتطرّق إلى كيفيّة اكتسابهما، والوسائل التي يمكن استخدامها لتعزيز اكتساب اللّغة العربيّة الفصحى بحيث يتمكّن منها، ويستخدمها أداةَ نفاذٍ إلى مصادر المعلومات؛ ما ييسّر إيجاد مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية البشريّة.‏

■ مجال الدراسة :‏
تنتمي الدراسات المتعلِّقة باكتساب الطفل أوّل لغة، وهي عندنا عادة، اللهجة العاميّة، إلى مجال علم النفس. وأما اكتساب اللغة الثانية أو الأجنبية الذي يعني تعلّم أيّةٍ لغةٍ أُخرى بعد مرحلة الطفولة المبكرة، فهو من مباحث علم اللّغة التطبيقيّ، بيد أن تعلّم اللغة العربية الفصحى وتعزيزه يدخل في مجال التخطيط اللغويّ الذي هو علم مشترك يتطلب إجراء بحوث اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة ولغويّة.‏

■ تحديد المصطلحات :‏
نظراً لحداثة علم اللغة وعلم النفس، فإنّ مدلول بعض مصطلحاتهما يختلف من مدرسة فكريّة إلى أُخرى، بل يتباين من باحثٍ إلى آخر في المدرسة الواحدة، فمصطلحات مثل "اللغة الأولى" و "اللغة الأهليّة" و "اللغة الرئيسة" و "لغة الأم" و "ل 1" لم تخضع إلى تقييس أو توحيد بعد، وهي تدلّ في كثير من أدبيات علم اللّغة على اللّغة الأولى التي يتعلَّمها الطفل. ويُعدُّ الفرد من الناطقين بتلك اللغة، على الرغم من أنّه يمكن أن يُعدّ من الناطقينً بعددٍ من اللغات إذا كان قد تعلّمها بلا دراسة رسمية وإنّما بطريقة طبيعيّة في العائلة أو المجتمع، كما يحصل لدى الطفل المزدوج اللّغة من أبوين يتكلَّمان لغتيْن مختلفتيْن أو لدى طفل يعيش في بيئة متعدِّدة اللُّغات.‏
ومن ناحية أُخرى، فإنّ مصطلحَي "اللغة الثانية" و "اللغة الأجنبيّة" يُستعمَلان، أحياناً، بوصفهما مترادفيْن يدلان على لغةٍ أُخرى يتعلّمها الفرد في المدرسة بعد مرحلة الطفولة المبكِّرة. ويُستعمَل مصطلح "اللغة الأولى"، أحياناً، ليدلّ على اللّغة التي يُتقِنها الفرد أفضل من غيرها. وهكذا قد يشير الفرد إلى لغته الأولى، ولغته الثانية، ولغته الثالثة طبقاً لدرجة إتقانه لهذه اللّغات، ويَستعمل بعضهم مصطلح "اللغة الأهلية" للدلالة على اللغة التي يتكلّمها الفرد بطلاقة تضاهي طلاقة أهلها في بلدهم.‏
ومن ناحية ثالثة، فإنّ هنالك من اللغويِّين من يعدّ اللهجة العربيّة العاميّة والعربية الفصحى لغتيْن مختلفتيْن، بحيث يخضع تعلُّم اللُّغة العربيّة الفصحى إلى نواميس تعلُّم اللّغة الثانية، على حين يرى لغويّون آخرون أنّ العاميّة والفصحى هما مستويان من مستوياتِ لغةٍ واحدة.‏
أما مصطلح "اكتساب اللغة" فيشير عموماً إلى العمليّة التي تنمو بها القدرة اللغويّة لدى الإنسان، ويشير مصطلح "اكتساب اللّغة الأولى" إلى نمو اللغة لدى الأطفال، على حين أن مصطلح "اكتساب اللّغة الثانية" يتعلّق بنمو اللّغة لدى البالغين كذلك.‏
في هذه الدراسة سنستخدم مصطلح "لغة الأم" للإشارة إلى أوّل لغة يتعلمها الطفل في البيت، ونفترض أنّها العربيّة العامّيّة، التي تُستخدَم في التواصل الاعتياديّ في المنزل والشارع.‏

■ العربيّة الفصحى ولهجاتها العامّيّة :‏
معروف أنَّ اللّغة العربيّة تعاني حالة ازدواجية لغويّة، شأنها شأن اللغات الكبرى الأخرى. وكان اللّغويّ الأمريكيّ تشارلس فرغيسون أوّل من درس ظاهرة الازدواجيّة في عدد من اللغات من بينها العربيّة وعرّف هذه الظاهرة بأنّها :‏ "وضع مستقرّ نسبيّاً توجد فيه بالإضافة إلى اللهحات الرئيسة للّغة (التي قد تشتمل على لهجة واحدة أو لهجات إقليمية متعددة) لغةٌ تختلف عنها، وهي مقنّنة بشكل متقَن (إذ غالباً ما تكون قواعدها أكثر تعقيداً من قواعد اللهجات)؛ وهذه اللغة كنوعٍ راقٍ، يُستخدَم وسيلةً للتعبير عن أدب محترم، سواء أكان هذا الأدب ينتمي إلى جماعة في عصر سابق، أم إلى جماعة حضاريّة أخرى، ويتمّ تعلُّم هذه اللغة الراقية عن طريق التربية الرسميّة، ولكن لا يستخدمها أيُّ قطاع من الجماعة في أحاديثه الاعتياديّة".
ويتفق جميع اللغويِّين العرب مع فيرغسون على أنّ العامّيّات العربيّة هي ليست لغات مستقلّة عن العربيّة الفصحى، وإنّما لهجات جغرافيّة أو اجتماعية أصابها شيء من التغيير (أو التحريف) في بعض ألفاظها وبنياتها ودلالاتها، وأنّ الفصحى أغنى من العاميات في مفرداتها ومصطلحاتها وتراكيبها، وأنّ قواعدها أكثر تطوّراً وتقنيناً، وأوسع انتشاراً جغرافياً ولهذا فإنّ الفصحى، وليست العامّيّات، هي التي تصلح أداةً فاعلة للتفكير المجرد، واكتساب المعرفة، والتواصل مع التراث، والتراكم الثقافيّ، وأساساً للتعاون بين جميع أقطار العروبة.
وهذه الازدواجيّة اللّغويّة ظاهرةٌ كذلك في قضيّة اكتساب اللّغة لدى الطفل العربيّ، فلأن لغة البيت هي اللهجة العامّيّة فإنّ الطفل يكتسب العامّيّة بوصفها لغة الأم خلال السنوات الخمس الأولى من حياته ثم يأخذ في تعلم العربية الفصحى في روضة الأطفال أو المدرسة، هذا إذا كان محظوظاً ودخل المدرسة.‏
ولهذا فعندما نتحدّث في هذه الدراسة عن "اكتساب لغة الأم" أو "اكتساب اللّغة الأولى"، فإنّنا نعني اكتساب الطفل اللهجة العامّيّة، ونطاقه الدراسات النفسيّة، أما تعزيز تعلّم اللّغة العربيّة الفصحى، فإنّ نطاقه التخطيط اللغوي والسياسة اللغوية، كما ذكرنا.‏

 0  0  2547
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:47 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.