• ×

04:04 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

◄ حيث أن من يحب شيئا يكثر الإكثار من ذكره. فمن حقيقة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم الإكثار من الصلاة عليه وذلك اتباعاً لأوامر الله تعالى بذاته العلية (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (سورة الأحزاب : 56) فإذا كان الله تعالى بذاته يصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم من شدة محبته له ثم أعلمنا بأن الملائكة كافة تصلي عليه - تنفيذاً لأوامره تعالى - ثم يقول الله مخاطباً المؤمنين الصادقين بصيغة الأمر : (صلوا عليه) وكذلك (سلموا تسليما) فهل هناك حقيقة على محبته "صلى الله عليه وسلم" بدون الصلاة عليه بل وتصوره دائماً بين العيون بعد الله تعالى، فجميعنا لسنا ببعيد أو غرباء عن قصة الشاب الذي مات والده في الصحراء ثم انقلب لونه سواداً قاتماً، فاغتم الشاب لمصير ومنظر آخرة والده الذي كان يعهد به جميع الصفات الحميدة فأخذته سنة وغفوة من النوم فرأى في غفوته أن رجلاً يتلألأ وجهه نوراً وبياضاً يمسح على وجه أبيه المتوفى فينقلب إلى رجل ذي لون ناصع من البياض يكاد وجهه يكون كفلقة القمر. فيستغرب الشاب مَنْ هذا الرجل ويسأله بأغلظ الأيمان مَنْ أنت ولماذا أصبح وجه أبي هكذا ؟ فيقول له أنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه المسحة من يدي جزاءً لوالدك لكثرة صلاته عليَّ في حياته الدنيا ! فيقوم الشاب فرحاً مستبشراً بحسن عاقبة وآخرة والده ويدفنه في تلك البقعة الجرداء الخالية من الصحراء القاحلة وهو مستبشر فرحاً يكاد وجهه يتلألأ من الفرح ولم يحزن على موت والده وعاد إلى أهله مبشراً لهم بما رأى من حسن خاتمة والده المرحوم. فهل حقيقة إيمانناً الحاضر تدل فعلاً أننا نحب الله ورسوله في كل زمان ومكان ؟ أرجو أن أكون سلط الضوء أو كشف بصيص من النور على أن لكل شيء حقيقة. ويسعدني أن أبدأ هذا الموضوع جاعلاً له اسم خاص بعنوان : لكل شيء حقيقة.
الطريق إلى محبة النبي صلى الله عليه وسلم ـ الدكتور / أحمد محمد زايد ـ كلية أصول الدين ـ جامعة الأزهر ـ القاهرة.
فإن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم زادنا إلى الله, وشفاء قلوبنا, ونور حياتنا, وسعادة أفئدتنا .. ولكن ما حقيقة المحبة ؟ :
يتصور البعض أنه بمجرد الاقتناع بوجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم فقد حصل له الحب, ولا عليه بعد ذلك إن ذكر أمامه النبي صلى الله عليه وسلم فلم تتحرك مشاعره, ولم يلتهب الشوق في قلبه نحو الحبيب, والبعض يظن أنه بمجرد القيام ببعض السنن أو حتى اتباع السنة كاملة يكون قد حقق الحب الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم, وأقول مبيناً فهمي لقضية المحبة : إن الحب عمل قلبي تتفاعل فيه الأحاسيس, وتستجيب به المشاعر, وتتفجر معه الأشواق, وتظهر انفعالات الحب مع ذكر المحبوب فيهتز القلب وتدمع العين ويزداد الطلب والشوق لرؤية المحبوب والجلوس بين يديه لتكتحل العين برؤيته, وتأنس النفس بالحديث معه, ويتقطع القلب شوقاً, ويتحرق ألماً, عندما لا يتمكن من رؤيته, ويطول الفراق والبعاد فلا يبق إلا الحديث والإخبار دون الرؤية واللقاء, فتسهر عين المحب, ويتقلب على فراش الشوق والعشق, حتى إنه لا يصبر إلا إذا وعد موعدا قريباً بلقاء.
فالمحبة ليست قناعة عقلية وفقط بل هي مزيج دموع وأشواق ومشاعر وانفعالات وحركة نفسانية قلبية, أما الاقتناع بعظمة المحبوب وشدة اتباعه فقط دون ما ذكرنا من معاني فهذا عمل سطحي, يحتاج إلى روح تبعثه من مواته, وروح تحركه من سباته.

ومن هنا فلابد من مراقبة النفس عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مراقبة :
1- حال القلب من الشوق والانفعال أشد من شوق الإنسان إلى ولده وزوجه وكل حبيب لديه.
2- بدمع عينيه أشد ما يكون من مفارقة أحب المحبوبين إلى نفسه.
3- عمله واقتدائه وامتثاله أشد ما يكون طاعة وانقيادا لأحب الناس إليه.
لابد من مراقبة النفس في هذه الأحوال ليكون الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم أحب الخلق إليه فينفعل نحوه قلبه, وتدمع شوقاً إليه عينه, وتتحرك للاقتداء به جوارحه. وأرجو أن يكون فهمي في ذلك صائباً صحيحاً موافقاً لمراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

لماذا محبة النبي صلى الله عليه وسلم ؟
1- أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم هي الطريق لتذوق حلاوة الإيمان ففي الحديث (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان وأولها : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).
2- أن الإيمان لا يتحقق مطلقاً في قلب المؤمن إلا بمحبته صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله ووالده وولده والناس أجمعين).
3- أن الاتباع العملي من غير رابطة قلبية برسول الله صلى الله عليه وسلم عبارة عن شبح بلا روح فلا يكمل العمل إلا بالمحبة.
4- أن المحبة القلبية هي وقود الاستمرار العملي والثبات عليه والاجتهاد فيه.
5- أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم هي روح الحياة وزاد الأرواح ومصدر السعادة ومبعث الحب للآخرين .. لا تستريح النفس إلا بها, ولا تسكن الأفئدة إلا بتحقيقها.
وأخيراً : وهو المقصود كيف الطريق إلى هذه القمة السامقة والمقصد العظيم (محبة الحبيب صلى الله عليه وسلم).

أتصور أخي القارئ الحبيب أن الطريق إلى ما قصدناه لا بد فيه من خطوات علمية وأخرى عملية نوجزها في الآتي :
أولاً : خطوات علمية وتتلخص في ..
1-الاطلاع والمعايشة للسيرة النبوية وننصح هنا بالمواهب اللدنية للقسطلاني مع شرحه للزرقاني ومعه فقه السيرة لمحمد الغزالي والرحيق المختوم للمباركفوري.
2- الاطلاع والمعايشة للشمائل المحمدية ويكفي هنا الشمائل المحمدية مع شرح وجيز له.
3- الاطلاع والمعايشة للخصائص المصطفوية وننصح هنا بالخصائص الكبرى للسيوطي مع الحذر من بعض مروياته.
4- معرفة حقوقه صلى الله عليه وسلم وننصح هنا بالكتاب الماتع "الشفا" للقاضي عياض.
5- معرفة طرف من أقواله النيرة المربية وننصح هنا برياض الصالحين للنووي.
6- إن الاطلاع على هذه الجوانب (السيرة - والشمائل - والخصائص - ومعرفة الحقوق) والاطلاع على الأقوال والأحاديث (ليهيئ قلب المؤمن للتعرف على أعظم نبي بل أعظم إنسان على الإطلاق, فالمعرفة هي الخطوة الأولى ولكن بتلك الجوانب المتكاملة التي أشرنا إليها).

ثانياً : الخطوات العملية وتتلخص في الآتي ..
1- كثرة الصلاة عليه في كل وقت وحين, وليرجع في ذلك إلى كتاب "جلاء الأفهام" لابن القيم وهذا موضوع روحاني طويل الذيل عظيم النيل.
2- مجالسة محبيه صلى الله عليه وسلم, وهذا سر يلقيه الله تعالى في قلوب المخلصين من عباده والأصفياء من خلقه, قد ينالها الزوج دون زوجته, العبد دون سيده, والغني دون الفقير, والصغير دون الكبير, وما أكثر المحبين المشتاقين الذين يودون لو رأوه صلى الله عليه وسلم وبذلوا لذلك مهجهم وأموالهم, أعرف أناساً بسطاء ما إن يذكر الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى تفيض أعينهم بالدمع, وتتقطع قلوبهم حباً وحزناً يودون أن لو رأوه وبذلوا الدنيا كلها, وعزاؤهم في ذلك حبهم للمحبوب و"المرء مع من أحب".
3- الاطلاع على أحوال محبيه, والصوفية السنية الملتزمة البعيدة عن البدع والخرافات لهم أحوال في ذلك يصعب حصرها.
4- ثم الاتباع العملي لكافة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم اتباعاً كاملاً بإخلاص تام, ممزوج بحب كامل, واعتزاز وفخر باتباع أشرف الخلق.
5- زيارة مسجده صلى الله عليه وسلم فتلك عبادة مستقلة مندوب إليها, بها يشعر الزائر بالقرب من حبيبه صلى الله عليه وسلم, فتتفجر من قلبه أحاسيس المحبة والشوق, وتسيل عيونه بدمع المحبة, فتفيض على قلبه أنوار من أنوار النبوة المباركة ببركة المكان والعمل.
6- الإكثار من الحديث عنه صلى الله عليه وسلم في المجالس, فكل مجلس لا يذكر فيه الحبيب فهو نقص على الجلساء, ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره.

وكلمة أخيرة : حول رؤيته صلى الله عليه وسلم مناما, أقول ليست رؤيته صلى الله عليه وسلم دليلاً على كمال إيمان الرائي أو أفضليته, فقد يراه صلى الله عليه وسلم المفضول دون الفاضل, فرؤيته لا تدل على أفضلية دائمة, وعدم رؤيته صلى الله عليه وسلم لا تدل على بعد عنه صلى الله عليه ولا عدم تعلق به, وعلى أي حال هي شرف للرائي, ومتعة لقلبه ورسالة ربانية تشرف صاحبها متى استوفت الشروط. أسأل الله تعالى أن يرزقنا حبه وحب نبيه صلى الله عليه وسلم, وينفعنا بذلك الحب يوم أن نلقاه.

 0  0  2347
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:04 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.