• ×

01:22 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ نعم الفكر الإسلامى يملك قابلية النماء والتطور ويرفض الجمود والتراجع وهذا المنهج سلكه اسلافنا فى عصر التقدم والنهضة بشجاعة فائقة وذكاء متوقد فنراهم تصدوا وتصدروا الدور أو بالأحرى ادوارهم فى اثراء الفكر الإسلامى السامى عن طريق الاجتهاد الذى اقره ودعا اليه الإسلام وكلنا يعلم مدى اهمية الاجتهاد على مر العصور فى سفر ديننا وحضارتنا الإسلامية وفى تكوين وابراز اصحاب المدارس الفكرية التى اثرت بدون ادنى شك الفكر الإسلامى بتراث واضح المعالم وخالد على مر الازمان والعصور وسيظل المنارة المضيئة والعلامة البارزة فى تاريخ امتنا المشرق المشرف.
واقع الحال اطلق علماء الفكر على قابلية النماء والتطور مصطلح - التجديد - ومضمون هذا المصطلح يعنى تكوين ظروف الاستمرارية والبقاء لمواكبة كل المستجدات وتجديد الفكر يعنى استمرارية الايمان بصلاحيته حتى يتسنى له ان يكون الاداة الحقيقية لهداية الإنسان وتوجيهه وبناءا على ذلك يجب ان يكون التجديد مطلبا ملحا كونه يمثل العلاقة بين الانسان والفكر ولذلك اجزم بأن توقف عوامل التواصل بين الإنسان والفكر يؤدى إلى جموده وبالتالى تراجع دوره، اذن اداة التواصل حقيقة - بين الإنسان والفكر - هو التجديد بعينه كونه يعطى للفكرة بعدها الزمنى عن طريق ربط تلك الفكرة بالرؤية المتجددة التى تعطيها القدرة على الاستمرار والصمود فى وجه التطورات المستحدثة المستجدة التى يمليها الواقع الجديد وتتقبلها الاجيال اللاحقة.
وعليه فلا أرى حاجة إلى البرهان على اهمية التجديد بالنسبة للفكر كون التجديد هو وسيلة الاستمرار فالعقل البشرى من حقه ان يباشر مسؤولياته فى فهم الظواهر الإنسانية وبالتالى من حقه أيضاً أن يفسر تلك الظواهر وفق ما يعتقده ويراه من باب كونه يمارس صلاحيات مشروعة ومباحة لذلك ليس من العدل ان ينكر جيل سابق على جيل لاحق حقه فى ممارسة رؤيته المتجددة لقضاياه الفكرية على اعتبار ان الانكار لا يلغى ذلك الحق ولا يوقف ممارسة الانسان له بطريقة اعتيادية من غير تجاوز أو تكلف.
مقدمة كان لابد منها لارتباطها بنفس الموضوع وعليه أقول أن الفكر الإسلامى شأنه شأن الفكر الإنسانى من حيث قابليته للتجديد وأيضاً من حيث خصائصه الإنسانية ولكن لا يستطيع احد أن ينكر اختلافه عن الفكر الإنسانى فى جوانب خاصة وهذه الجوانب هى التى تكفل له سلامة المنطلق والاستمرارية والبقاء ويظهر ذلك الجانب المتميز فى الفكر الإسلامى من خلال مايمتاز به من خصائص ذاتية واهداف انسانية ويمكن اجمال ابرز هذه الخصائص التالى :
1ـ كونه ألهي المصدر وهذه حقيقة اخص خصائصه وسنام مزاياه وهى التى تكفل للفكر الإسلامى أن يكون فى منأى عن الاهواء والغايات والمصالح على اعتبار أن التوجيه الربانى تكفل لهذا الفكر السامى أن يكون اصيلاً فى تكوينه إنسانياً فى غاياته وأيضاً ابرز الجانب الاخلاقى فى موقع التطبيق بحيث لا يضل ولا ينحاز ولا توجهه مصالح الاقوياء ولا تعبث به عواطف أهل الاهواء وهذه المعطيات تجعله يحكم فى البشر ويرسم لها طريق السلامة والسعادة حتى يعيش المجتمع بكامله برخاء وأمن واستقرار.
2ـ اخلاقية اهدافه وهذه ضرورة حتمية على اعتبار اعتماده نصوصاً غير قابلة للنسخ والاهمال كونها نصوصاً قرأنية أو احاديث نبوية شريفة ونلح خاصية اخلاقية الاهداف فى كل الاحكام وفى كل المواقف ولا يمكن للفكر الإسلامى أن يتجاوز هذا المنهج الاخلاقى الذى يعبر حقيقة عن اصالته كفكر لسبب اشرنا إليه ألا وهو اعتماد النص القرأنى والحديث النبوى.
ونتيجة لكل ما تقدم فهناك ضوابط ومعايير لهذا النمو والتطور (التجديد) لا يمكن تجاوزها كونها تخضع فى مجال الفكر التشريعى لضوابط ضرورية بحيث تعطى لهذا النمو والتطور شرعيته وهى أيضاً الحاجز الذى يمنعه من أى تجاوز أو انحراف يجرنا إليه عقل مغلق غير متبصر أو ميل وهوى لنفس جامحة لم تبلغ النضج أو الرشد أو الكمال الاخلاقى. وعلينا أن نعى جيداً أن مسلك ووسيلة التجديد فى الفكر التشريعى هى الاجتهاد الملتزم بالضوابط الشرعية فاذا التزم هذه الشروط اصبح مشروعا وضروريا وعندها لا مناص لمن يمتلك هذه الشروط والمقومات ان يتقاعس عنه سواء كان مبنى هذا التقاعس الكسل أو الورع الشديد والجميع يدرك انه ليس من الورع بشىء ان يتخلى المجتهد عن مسؤولياته الفكرية لذلك فالاجتهاد المشروع له ضوابط ومعايير لا بد من الالتزام بها ويمكن اجمالها بالتالى : التزام النصوص الثابتة وهذا الضابط يرتب على المجتهد عدم الاخلال بالتزام هذا الضابط الهام والمهم وهذه الميزة للفكر الاسلامى تميزه عن غيره من حيث المصادر فالفكر الوضعى هو فكر بشرى بحيث يخضع للعقول المجردة وللاجتهادات الفكرية من غير ضوابط او قيود اما الفكر الاسلامى فهو فكر ملتزم بمصادره الاساسية بحيث لا يمكن تجاوزها برأى ولا يناقضها اجتهاد بعنى ان اى تنكر او تجاوز يفقدها الصفة الاسلامية وبالتالى تصبح خاضعة حكما لكل مقاييس وشروط الفكر الوضعى الذى يمكن ان يطاله الخطأ والتحيز والهوى والالغاء والميل والحيف.
وقطعاً الدلالة اللغوية هى معيار التفسير والتوضيح فما افادته الدلالة اللغوية عن طريق القطع والجزم حكماً يزج ضمن النصوص القاطعة الباته واما بخصوص الظنى من الدلالة اللغوية بمعنى كان مبناه الظن يخضع قطعا لقواعد الاجتهاد ومن المعلوم ان الدلالة اللغوية للكلمة العربية تثبت عن طريق الاستعمال المتكرر والنقل المتواتر ويمكن ان تثبت أيضاً عن طريق الاستنباط العقلى المؤكد بالنقل من علماء اللغة او استخدامهم للالفاظ اللغوية.
أما بخصوص اثبات المعانى اللغوية عن طريق القياس فقد اختلف العلماء فى حكم اثباتها ولكن الرأى الراجح هو أن القياس اللغوى بحاجة إلى اثبات استعمال العرب له وقبولهم به حتى نتجنب تحكم العقل فى المعانى اللغوية بطريقة تعسفية.

والثابت أن أهم القواعد التى تخضع لها النصوص التشريعية الثابتة فى توضيح دلالاتها الشرعية نجملها بالتالى :
1- التزام القواعد الاجتهادية وهذه القواعد هى اهم ضوابط الفكر حتى يكون اصيلا من منطلقاته لا يحيد ولا يضل عن غاياته واهدافه وكما هو معلوم لدينا أن الاجتهاد هو الجهد الذهنى الذى يبذله المجتهد فى استنباط حكم من دليله وهو الاداة المثلى للتواصل بين النصوص الثابتة والمصالح المتجددة اما دائرة الاجتهاد فانها تتسع لتشمل ايضا مواضع نذكر منها تلك النصوص التى وردت فى اطار الظنية فى دلالتها او ثبوتها وهنا لا بد ان يتصدى الاجتهاد للبحث عن صحة السند من خلال دراسة ذلك السند وطرق روايته او يتصدى الاجتهاد للبحث فى تفسير تلك النصوص بما يؤدى الى وضوح الدلالة على المعانى المرادة منها، ويشمل أيضاً تلك القضايا التى لم يرد نص بها فى كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وهذه الساحة الاهم لحركة الاجتهاد على اعتبار أن القضايا المستجده والتى يفرضها الواقع بكافة المناحى بحاجة إلى بحثها والبت باحكامها.
2- الالتزام بالمعنى اللغوى الذى استقر عليه العلماء شرط مراعاة المصطلحات الشرعية التى اخرجها المشرع من معناها اللغوى العام إلى معنى خاص دل عليه النص عن طريق ادلة قطعية وهذا التغيير فى معانى المصطلحات - الاسماء - لا يخرج الكلمة عن معناها الأصلى على اعتبار أن التصرف فى اللفظ العربى امر مألوف فى لغتنا العربية ولقد جرى العرف على تخصيص بعض الاسماء للدلالة على المعانى القريبة منها.
3- بيان علاقة اللفظ بالمعنى المستفاد منه وتحديده وذلك عن طريق مراعاة القواعد المقررة عند علماء علم الاصول بحيث يكون استعمال اللفظ معبراً عن معنى إرادة الشرع وعليه كلما كانت العلاقة ظاهرة وواضحة بين اللفظ والمعنى كانت مهمة المجتهد سهلة وميسرة ففى ظل الوضوح تضيق دائرة الاجتهاد ألا أن اتساع الدلالة اللفظية على المعانى الشرعية يساعد على نمو حركة الاجتهاد وازدهار الرأى واتساع الفروع الفقهية.
إذن التجديد بواسطة الاجتهاد هو الاصيل الذى لا يجوز الاختلاف فيه على اعتبار ان منهج الاجتهاد من المسلمات التى يجب الاعتراف به فتقاعس اهل الاختصاص عن واجبهم فى ابداء الرأى فى مختلف القضايا التى يجب البت بها يسهل وبطريقة مباشرة الى اقصاء الشريعة عن اداء دورها الاجتماعى كاداة للتنظيم وكمنهج للحياة الانسانية وهم بذلك يسهمون فى فرض العزلة على الفكر الاسلامى وبالتالى ضعفه وجموده فكغيره من الفكر ينمو بالجهد البشرى وكما اشرنا سابقاً فمن يدعى الورع فى امر الاجتهاد لا يعتبر مبررا للتهرب من المسؤولية فى ابداء الرأى والتعبير عن موقف الاسلام من القضايا المطروحة على الساحة - الشائكة منها والمستحدثة - التى تواجه المجتمعات الاسلامية فى ايامنا وما اكثر هذه القضايا التى تنتظر البت فيها وابداء الرأى بخصوصها وارثنا الاسلامى يغص بكل ما يدعو للاجتهاد وابداء الراى - فمن اخطأ له اجر ومن اصاب له اجران - تصوروا حتى فى الخطأ له اجر وذلك مكافئة له على جهده المبذول.
إذن ليس من الورع بشىء أن يمسك العلماء عن الاجتهاد تهيبا وخشية فالمسؤولية تحتم على اهل الاختصاص أن يتصدوا للاجتهاد لكى تؤدى الشريعة الإسلامية دورها فى تنظيم حياة المجتمعات الإسلامية .

ولاستحداث الاحكام الشرعية فى القضايا المستجدة هناك قاعدتان هما :
الأولى : القياس وقاعدة القياس تقوم على اساس الحاق المسكوت عن حكمه بالمنصوص عليه عند مشاركة المسكوت عنه للمنصوص فى علة الحكم وتظهر العلاقة القياسية بشكل جلى وواضح كلما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنصوص عليه وفى بعض الاحيان قد لا يكون الالحاق ظاهراً بين الأصل والفرع وذلك نتيجة لتعدد المعانى التى تجمع بينهما مما يجعل القياس صعباً ومعقداً ومن هنا تبرز الحاجة إلى البحث عن العلة التى تعتبر من اهم ضوابط القياس على اعتبار أن الشرع ينيط الحكم بوصف لا يصعب على العقل البشرى ادراكه مما يدخل ضمن المقاصد الشرعية التى هدفها الاسمى جلب نفع او دفع ضرر مما اقر الشرع الحنيف اعتباره وقد اشبع علماء الاصول فى بحث الوصف المناسب لكى يكون علة فى القاعدة القياسية ووضعوا ضوابط واشترطوا فيه ان يكون ظاهرا ومتعديا ومنضبطا والا يكون مما الغى الشارع اعتباره.
الثانية : المصالح المرسلة وهذه القاعدة او هذا المصدر يقوم على اساس حرص الشرائع على تحقيق مصالح الخلق المتمثلة فى جلب المصالح ودرء المفاسد وهذه المصالح تقسم إلى قسمين :
1- مصالح معتبره ويمكن تقسيمها بحسب اهميتها بالنسبة للناس فمنها الضرورى ومنها الحاجى ومنها التكميلى وجاء اعتبار هذه المصالح فى نظر الشرع كونها تحافظ على النفس والمال والعقل والعرض.
2- مصالح ملغاة فى نظر الشرع على اعتبار ان هناك نصوص تلغى اعتبار تلك المصالح لان هناك اعتبارات اكثر اهمية بالنسبة للإنسان فمصلحة السارق ملغاة ومصلحة المرابى والمحتكر .. ألخ، وسبب الغاء هذه المصالح ما يترتب عليها من اضرار بحق المجتمع بصفة عامة.
ومن المعلوم أن المقصود بالمصالح المرسلة هى المصالح التى لم يذكر فيها نص بالاعتبار أو الالغاء وتركت للمجتمع لكى يقرر فيها علماء الامة وفقهائها التنظيم الذى يصون الحريات ويحفظ الحقوق.
إذن التجديد البنّاء هو ذلك التجديد الذى يعتمد المنهج الأصولى الحق والصحيح فى تفسير وتأويل النصوص وهو منهج يحض على استخدام الرأى وينكر الجمود والتقليد.

إلى الجزء (2) بعون الله وتوفيقه

 0  0  2606
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:22 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.