• ×

08:38 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ بثقة نقولها لم يدعُون غير ذلك مدعمتا بالدلائل الممكنة والمتاحة فهي المرجع والمستند لمن كان مع هذا الرأي أو ضده، ولبيان ذلك لابد من التعريج وبعجالة على تلك الحقبة الممتدة منذ أن ظهر العرب على وجه البسيطة إلى هجرة نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام سنة 622 والتي عرفت بالحقبة الجاهلية لنتعرف على مكتسبات العرب الفكرية إذا صح التعبير خلال هذه الفترة مع التسليم بقلة الوثائة والمصادر التي تطلعنا على احوالهم وسيد هذه المصادر وعلى رأسها على الاطلاق هو القرآن الكريم ومن ثم التوراة وما جاء من روايات على لسان كتاب التاريخ الإسلامي ومن اشعار الجاهليين ثم ما رواه كتاب الرومان واليونان والكتشافات الاثرية في بلاد اليمن من نقوش وكتابات حميرية وخطوط اشورية .. الخ.
فخلال هذه الفترة كان للعرب صلات مع الأمم الأخرى بحكم توسط هذه البلاد بين امم العالم فهي صلة الوصل بين الشرق والغرب ـ الهند والحوض المتوسط ـ فهي المعبر للقوافل التي تمر عبر الجزيرة العربية من شتى اطرافها فنجد عرب الجنوب وبتجارتهم مع الهند ومصر ودول بحر الروم اسسوا لهم مستعمرات في شمال الجزيرة على طول معبر القوافل والتي اصبحت فيما بعد النواة لدويلات مثل عرب تدمر وانباط البتراء وغساسنة بصرة ولخميي الحيرة وكان منهم آل يثرب وآل كندا في الحجاز ونجد.
وعلى هذا يمكن ارجاع أهم عوامل اتصال العرب بالأمم الأخرى إلى الموقع الجغرافي التجاري المميز والممتاز ـ ففي العصر الحديث كان هذا الموقع مطمع لكل مستعمر غاز ـ والذي جعلها ممر ومعبر لكافة النشاطات التجارية وبسبب مجاورتهم لمناذرة الحيرة وغساسنة الشام ومن اهم اسباب اتصالهم بالامم الاخرى أيضاً اقامتهم للمواسم واسواق التي كانت تؤمها بقية الاجناس الخرى ـ هنود، فرس، رومان. ـ عداك عن تشكل حواضن للامم الاخرى داخل الحمى العربين (جاليات) ولا ننسا أيضاً قيام افراد وجماعات من العرب برحلات هدفها إما التجارة أو طلب العلم فكل هذه العوامل مجتمعة ادت إلى اكتساب العرب بعض المعارف ونشأ لديهم تيارات فكرية مختلفة، إذن حتمية هذا التماوج والاخطلاط مع الشعوب الاخرى لا بد أن يأتي بالمحصلة بنتائج نجملها بالتالي :
1- العقائد والتي اخبرنا عنها القرآن الكريم ـ وهذه من وجوه الاعجاز في القرآن الكريم ـ وديانات العرب في الجاهلية اليهودية والنصرانية والوثنية.
2- أما معارف العرب في المجال الطبيعي والفلكي فكانت صلتهم بالكلدانيين وصابئة وقد عرف عن هؤلاء الالمام بعلوم الفلك والتنجيم وعلم الانواء وعرفوا السيارات السبعة وعرفوا أيضاً أبراج الشمس ومنازل القمر وقسموا السنة إلى اثني عشر شهراً قمرياً وكان الشهر عندهم مقسوماً إلى اسابيع وأيام الأسبوع عندهم : اوهد (الاحد)، اهون (الاثنين)، جبار (الثلاثاء)، دبار (الار بعاء)، مؤنس (الخميس)، عروية (الجمعة)، شيار (السبت).
3- أما معارفهم في المجال الطبي فكان اعتمادهم على الاعشاب فقد عرفوا فوائدها وخصائصها ثم اعتمدوا الكي والفصد وعلى الرقي والتمائم والعزائم ومن اطبائهم المشهورين (لقمان الحكيم وابن حذيم والحرث بن كلدة).
4- والعرب قبل الإسلام سادت لديهم معتقدات واساطير تتعلق بالجن والغيلان والسعالى والقرناء والتوابع وما نبع عنه من صلات الجن بالكهان والسحر .. الخ.
5- أما حصيلة الفكر الجاهلى والذى نقل الينا عبر الأمثال والحكم والشعر الزهدى والدينى سنوردها، أما ما جاء فى المواعظ والخطب فلا يمكن الاعتماد عليه لافتقاره إلى المستند الدقيق.
6- أما الحكم والامثال فالعرب شديدو الميل إلى ضرب الامثال واعتماد الحكمة ليصح كلامهم ويتزن ويقوى ولقد وصلنا منها الكثير وأيضاً حكمهم فقد قال عامر بن الظرب حكيم العرب للملك الغسانى حينما خافه على نفسه وأراد أن ينجو منه : (أن لى كنز علم وأن الذى اعجبك من علمى إنما هو من ذلك الكنز احتذى عليه وقد خلفته خلفى فإن صار فى ايدى قومى علم كلهم مثل علمى فاذن لى حتى ارجع إلى بلادى فاتيك به) أما الحكمة فنجد اشهر حكماء العرب فى الجاهلية لقمان الذى راح مضرب المثل فى الحكمة والتوحيد وله كتاب باسمه يدعى مجلة لقمان وكان له اتباع وقد قيل عنه أول من سن رجم الزوجة الخائنة.
7- أما بخصوص الشعر فقد كان لهم ذلك العالم الذين من خلاله يسمو بالروح فوق كل ما هو مادى فظهر شعرهم بمختلف اغراضه ومنه شعر التدين وشعر حنفى ونذكر ونحن بهذا الصدد ما قاله زيد بن نفيل :
واسلمت وجهى لمن اسلمت ● ● ● له الارض تحمل صخرا ثقالا
واسلمت وجهى لمن اسلمت ● ● ● له المزن تحمل عذبا زلالا
هذه هى حصيلة الفكر الجاهلى تناولناها بأمانة وباختصار وبحدود المتاح فهل يا ترى ممكن أن تشكل بمجموعها فكراً صحيحاً سليماً ؟
الحق أن العرب قبل الإسلام لم يكن لهم التفكير الفلسفى السليم والصحيح ولكن عرفوه مع بزوغ فجر الإسلام وبظهور دستور الأمة الإسلامية كتاب الله العزيز وحامل الرسالة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
على كل الأحوال فرسالة الإسلام خالدة فهى التى خلدت الإنسان ولا تنتظر من يخلدها فلو قدر وجمع ما كتبه علماء الإسلام فى شتى الحقول لظهر وبجلاء عظمة ما قدموه للإنسان والانسانية جمعاء فلم ولن تبلغه وما بلغته أى أمة على وجهه الارض فلقد جاء على لسان احد العلماء (ولكن اثار العرب العلمية ما تزال مهملة وقد فقد اكثرها ولو لم يترجم بعضها الى اللاتينية وياخذ اقطاب النهضة العلمية فى اوروبا عنها المبادىء الاساسية وياخذ عن هؤلاء من تبعهم حتى بلغ العلم ما بلغه اليوم لتاخرت النهضة العلمية فى العالم قرونا عدة).
فالفكر العربى الصحيح الوليد الشرعى للرسالة الإسلامية التىجاءت عامة وشاملة فتناولت اعظم الامور وادقها وجاءت للبشرية جمعاء اذن كيف لا تكن ذات مضمون فكرى وثقافى وكيف لا تكون الاساس والمنطلق للفكر العربى الصميم بما حوت وحملت ؟
فحضارتنا إسلامية بحتة وبالتالى ما افرزته يجب أن يكون إسلامي الهوية، وقد اعترف كتاب من الغرب بهذه الحقيقة والتي لا ينكرها احد من امثال آدم متز وفاسيلس بارتولد وجاك ريسلروجوستاف جرون باوم وهاملتون جب .. الخ، فاسموها حضارة الإسلام لاحضارة العرب، لأن كل المنجزات تمت في ظل الإسلام.
ألا يكفي أن جل علماء الإسلام لم يكونوا من العرب بل جمعنا معهم السلام وتربوا في ظله فكانوا سادة العلم والفكر باعتراف القاصي والداني كيف لا ونحن نعلم أن رسالة الإسلام عامة وشاملة وعالمية بل كونية فقد قال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات : 13).
على كل الأحوال الحضارة ربيبة العلم والعلم بنسبة لنا نحن ابناء الإسلام نسعى إليه من واقع كتابنا العزيز الذي نؤمن به (الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن : 1-2-3-4) وهدي رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قائدنا وقدوتنا والحالة هذه ليس هنالك ما يدعوا لشك في أن العلم هو الدافع الوحيد للابداع والخلق والتدبر والتفكر وكل هذه مجتمعات تنبة حضارة وتنشىء المعرفة وتكوّن الفكرالسليم الصحيح.

وللفائدة نسوق ما قاله أحد العلماء الاجلاء وهو في معرض حديثه عن ذات الموضوع : (تلك سمات عامة للمجتمع العربي قبل الإسلام وهو برغم ما احتوى من قيم ومعانٍ كريمة فأن أكثر جوانبه كانت من التعفن والاهتراء بحيث لا تصلح من تلقاء نفسها لأن تطور وتخلق حضارة فال الحرب ولا السلب ولا المقامرة ولا افتقاد الامن ولا العصبية العمياء ولا عبادة الاصنام ـ مهما رافقها من فروسية وكرم وتعشق للحرية واباء الضين ـ بصالحة لأن تنتج حضارة وتخلق مدنية وانما سبيل تلك الحضارة ونبع تلك المدنية مصدر اخر هو رسالة السماء بتعاليمها السلمية التي وحدة المتفرق وعلمة الجاهل ومدّنة المتأخر وقوّمة المعوج وامنت العدل ورقت العقل وحضت على العلم ودعت إلى مكارم الاخلاق وعبادة الواحد الخلاق) فحضارة بهذه العظمة جديرة بأن تفرز فكراً سليماً صحيحاً فانعم بالإسلام وانعم برسالته الجليلة الخالدة.

 0  0  2559
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:38 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.