• ×

09:29 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

◄ الإخوة التربوية الإنسانية وإخوانية النسب العائلية وحرب الشقيقين عامر وعميرة بفلسطين «3».
■ وكما أننا لا نستطيع إزالة عيب ما من عيوبنا بكبته، كذلك لا نستطيع التحرر من سيطرة الرغبات أو الشهوات بكبتها في داخلنا، والإيحاء لأنفسنا بأنها غير موجودة . والمبتدئ الذي يسير على الطريق الروحي ينبغي عليه ألا يعتقد سريعاً أنه صار "حكيم زمانه"، وإلا خاطر بكبت عيوبه والإيحاء لنفسه بأنه بدون عيوب وأنه قد حقق الانعتاق من الرغبات والشهوات . نحن لا نكذب على أنفسنا . فإذا فهمنا بشكل واضح صيرورة الرغبة المرتبطة بثنائية الملذوذ وغير الملذوذ، الانجذاب والنفور، فإنه يمكن لنا رؤية جسمنا النوراني ببساطة على مستوى الرغبات والقبول بها ولكن قبول الواقع بأنه توجد رغبة في داخلنا لا يعني إرضاءها وإشباعها . فعندما نُشبِع رغبة ما، مع احتفاظنا بالإحساس بالذنب، مهما كان خفيفاً (وهذه هي الحالة التي نمر بها عموماً) فنحن فعلياً لا نقبل بوجود هذه الرغبة، وبهذه الطريقة نساعد على تغذية هذه الرغبة وتنميتها بدلاً من كبحها . وبالعكس، عندما نقبل بوجودها في رؤية واعية فحظنا كبير في أن تفقد هذه الرغبة سيطرتها علينا؛ وعندئذٍ يتبخر كل انجذاب بدون حاجة إلى إرضائه . فإذا كنا حقاً صادقين وأمناء مع أنفسنا، فإن الرغبات تختفي تدريجياً، وتحلُّ محلَّها التطلعات الروحية الكامنة في أعماقنا التي هي المحرك والدافع في بحثنا الروحي؛ بينما الرغبات المكبوتة، أو التي لا نود رؤيتها في وضح النهار على حقيقتها ونعالجها، تصير عقبة لنا على الدرب الروحي.
توجد في أعماق كل منا تطلعات وأمانٍ روحية سامية؛ ولكن توجد أيضاً رغبات متناقضة مع هذه التطلعات الروحية؛ وعلينا رؤيتها بوضوح لكي نصل إلى الحقيقة السامية . ويكون ذلك بامتلاك الشجاعة على رؤيتها وجهاً لوحه في أعماق الشخصية، ورؤية الجسم النوراني في كل تعقيداته. وكما أن الرغبة المعبَّر عنها في وضح النهار، بدون مواربة، لا تعود رغبة، كذلك الشعور الذي ندركه إدراكاً واعياً لا يعود شعوراً أو عاطفة بالمعنى المتعارف عليه؛ أي لن يعود إلى إثارة الاضطراب أو ردود الفعل بداخلنا، بل يتركه في سلام وصفاء وهدوء، وكأن الأمر لا يعنينا في شيء. هذا الصفاء هو التعبير الواضح عن الشفافية والحساسية المرهفة وهي حساسية كلية لأنها لاشخصية . وبالتالي، فإن هذا الصفاء يصبح تعبيراً عن الغبطة، غبطة الذات العليا التي هي ذاتنا الحقة، غير المخلوقة وغير المجعولة لأنها "كائنة" منذ الأبد، ولكنها كانت كامنة بسبب العواصف العاطفية والانفعالية لجسم نوراني غير مسيطر عليه، لكنه يبدأ باليقظة عندما يصبح متناغماً وشفافاً . فالشعور هو إذاً الجواب على الاهتزازات القادمة من مستويات شفافة، وهو التعبير المتجلِّي للألوهة بواسطة الشخصية.
إذاً وظيفة الجسم النوراني هي، قبل كل شيء، السماح لنا بالاتصال مع مستوى الأحاسيس والمشاعر، ومن خلال صيرورة تطورنا بعد الخلاص من الرغبات، السماح لنا بالاتحاد والتوافق الكامل مع هذا المستوى، أي التناغم معه. وأخيراً، وبعد تحقيق تلك الوظيفتين، نستطيع نقل الاهتزازات القادمة من مستويات عليا، وخاصة من المستوى الإشراقي إلى الدماغ، حيث إن الجسم النوراني هو، انعكاس للمستوى الإشراقي.
وأخيراً يبدو أن من الضروري الإشارة للقارئ بأننا لم نطرح في دراستنا هنا موضوع الاتصالات التي نستطيع القيام بها مع العالم النوراني من خلال الرؤى والوساطة الروحية، أو من خلال بعض الظواهر من النوع ذاته. ولكننا نكتفي بالتساؤل: ما قيمة "الرؤيا" التي تتحقق في العالم النوراني للإنسان غير المتحرر، أي الذي لم يحقق ذاته ؟!
إن هذا الإنسان، في الواقع، يرى العالم النوراني من خلال الجسم النوراني الخاص به . وبما أننا عرفنا كم يكون جسمه مضطرباً ومنفعلاً فمن الطبيعي أنه سيرى هذا العالم على غير حقيقته . وحده الإنسان المتحرر يستطيع امتلاك رؤية روحية وموضوعية، لأن جسمه النوراني يكون شفافاً، وبالتالي لا يسبب أي تشوُّه في إدراكاته وفي رؤيته الروحية.
لهذا السبب فإن عملنا الأول يقوم على تنقية الجسم النوراني. وما دام هذا العمل لم يكتمل فإن الاتصالات التي نحققها مع العالم النوراني، أياً كانت وسيلتها، لن تجلب لنا سوى صورة مشوهة لهذا المستوى النوراني، مسببة لنا "تراجعاً" روحياً، بدلاً من مساعدتنا على التقدم على الدرب الإلهي.
وكما أن تنقية الجسم المادي والسيطرة عليه ليستا بهدف جعله أكثر قوة أو جمالاً، بل لجعله أداة شفافة للخدمة في هذا العالم، كذلك ليس هدفنا من تنقية الجسم النوراني هو الظهور بأننا مثال للآخرين وعنوان للفضيلة الظاهرية، بل جعله شفافاً ليعبِّر الإلهُ عن نفسه من خلاله . وهذا يفوق كل الصفات الأخلاقية التي نتخيلها.

■ الجسم العقلي الأدنى أو الرغائبي :
نبدأ دراسة الجسم الرابع من الأجسام التي تؤلف الشخصية وهي : الجسم المادي، الجسم الأثيري، الجسم النوراني، والجسم العقلي الأدنى أو الرغائبي . ولكن لماذا نقول "أدنى" ؟ تذكرون أنه توجد نقطة اتصال بين الشخصية والفردية على المستوى العقلي، وفي نسيج هذا المستوى يتشكل للشعلة الإلهية غلافان متميزان، وهما الجسمان العقليان : الأول ندعوه الجسم العقلي الأدنى، وهو مؤلف من المستويات الأربعة التحتية للمستوى العقلي؛ والثاني يدعى بالجسم العقلي الأعلى أو الجسم العِليِّ causal body، وهو مؤلف من المستويات الثلاثة التحتية للمستوى العقلي أيضاً. وهذان الجسمان مختلفان تماماً ومتمايزان. فالجسم العقلي الأدنى مرتبط بالجسم النوراني لأن كليهما مركبة أو "أنية" للوعي الشخصي؛ أما الجسم العقلي الأعلى فهو أحد المركبات أو الأجسام التي تعبِّر عن حالة الوعي الفردي. إذاً الجسم الذي يربط بين الشخصية والفردية يوجد على المستوى العقلي ومن هنا أهمية هذه الدراسة.
إن مختلف الأجسام في الإنسان تتطور وتنتظم تدريجياً بمقدار تطور الإنسانية، وأن لكل ذرية بشرية أم Mother-race عمل خاص للإنجاز، وعمل الذرية البشرية الأم الخامسة (هي الذرية البشرية الحالية التي ننتمي إليها) يتضمن تطوير الجسم العقلي الأدنى تحديداً، وهذا التطور لم يكتمل بعد في الإنسانية ككل، أو على الأقل بشكل غير متكافئ بين أفراد البشرية، وهذا ما يفسر الاختلافات في درجة الإدراك والفهم بين الكائنات الإنسانية، بين إنسان وإنسان . وعملياً، جميع مشاكلنا تعود في جذورها إلى الجسم العقلي الأدنى، فشكله البيضاوي مصنوع، كما قلنا، من المستويات الأربعة التحتية الدنيا للمستوى العقلي؛ وتركيبته الذرية أو الاهتزازية أقل أو أكثر شفافية، وتتحدد في أثناء الولادة، نظيرة تركيبة الجسم النوراني، بواسطة الاهتزازات المتضمنة في الذرة العقلية الدائمة التي احتفظت بجوهر الخبرات العقلية للتجسد السابق.
أما فيما يخص النسيج الذي صُنِعَ منه الجسم العقلي الأدنى فنقول عنه ما كان يجب أن نقوله في أثناء حديثنا عن الجسم النوراني : إنه يدعى "الجوهر العنصري" . فما هو هذا الجوهر العنصري أو الذات العنصرية ؟ إن الحياة التي تحيي الكائن الإنساني قد اجتازت تجارب الممالك المعدنية والنباتية والحيوانية قبل دخولها المملكة الإنسانية . فإذا أخذنا في الاعتبار أن الحياة تنزل أو تبدأ في الحلول والانتشار من المستويات الإلهية وصولاً إلى المستوى المادي، قبل عودتها إلى الصعود إلى المستويات الإلهية من جديد، ندرك أن المملكة المعدنية توجد على النقطة الأخفض على القوس المنحني والأكثر بعداً عن الألوهة . إذاً ماذا يحدث للحياة على الجزء الهابط من القوس المنحني، أي ما قبل المرحلة المعدنية ؟
إن دفقاً من الحياة الإلهية، أو انبثاقاً من الروح الإلهية، أو موجة حياة تبدأ بالحلول والتوضع على نسيج الكون أو النظام الشمسي، ونحن لا نستطيع تخيل ما حدث على المستوى النيرفاني Nirvanic أو على المستوى الإشراقي Buddhic؛ ولكن موجة الحياة، عندما تصل إلى المستوى العقلي، أو الجوهر العنصري . موجة الحياة هذه تجتاز من حيث إنها جوهر عنصري، المستوى العقلي الأدنى والمستوى النوراني قبل الوصول إلى المستوى المادي لإحياء المملكة المعدنية.

إن أسماء المستويات السبعة في النظام الشمسي، هي من الأعلى إلى الأسفل :
1. مستوى أدي Adi.
2. مستوى أنوباداكا Anupadaka.
3. المستوى الأتمي Atmic.
4. المستوى الإشراقي Buddhic.
5. مستوى العقل Mental.
6. المستوى النوراني Astral.
7. المستوى المادي Physical.
ولكن عند بدء حلول موجة الحياة على النظام الشمسي يطلق على المستوى الأول إسم المستوى الإلهي، وعلى المستوى الثاني اسم المستوى المونادي Monadic وعلى المستوى الثالث اسم المستوى النيرفاني Nirvanic؛ أما المستويات الباقية فتبقى لها نفس الأسماء. إذاً لم يتغير شيء في الموضوع، إذاً هذه الحياة الهابطة تُشبِع المستويات الشمسية من جوهرها. فالتطور، بالنسبة لموجة الحياة هذه، هي النزول والهبوط أما بالنسبة للإنسان فالتطور، بالنسبة له، هو العكس تماماً، أي الصعود. لهذا السبب نلاحظ أن في أجسامنا المختلفة مقاومة للتنقية؛ ولهذا السبب أيضاً ينبغي على الإنسان بذل طاقة جبارة للارتقاء بعكس الطاقة الغريزية التي تجذب إلى الأسفل، الموجودة في النسيج الكوني . ونذكر أيضاً أن الجوهر العنصري أكثر قوة على المستوى النوراني منه على المستوى العقلي، لأن الجوهر العنصري على المستوى النوراني يكون أكثر نمواً وتطوراً. ولهذا السبب نلاحظ أن تهدئة الأفكار أكثر سهولة من تهدئة المشاعر والعواطف ولا يعود السبب في ذلك إلى أن المقاومة في الجسم العقلي الأدنى، منبع الأفكار، هي أقل منها في الجسم النوراني، منبع المشاعر والعواطف، وإنما هي بسبب النزعة الموجودة فيه للاضطراب والإثارة، ولكون الجوهر العنصري العقلي ضبابي الشكل وأقل تنظيماً واستقراراً لأنه أقل نمواً وتطوراً من الجوهر العنصري النوراني، ولهذا السبب نحتاج إلى قوة أقل، ولكن أكثر تحديداً وانتباهاً ويقظة، لنهدئ الجسم العقلي الأدنى.

■ فما هي وظائف الجسم العقلي الأدنى ؟
الاهتزازات القادمة من المستوى المادي، بواسطة الحواس، تتحول إلى أحاسيس ومشاعر بواسطة الجسم النوراني . وبعد ذلك، يقوم الجسم العقلي الأدنى بتحويلها إلى إدراكات حسية؛ وبمعنى آخر، يحولها إلى صور: صور بصرية أو سمعية أو شمية أو ذوقية أو لمسية.
الوظيفة الثانية للجسم العقلي الأدنى هي تجميع هذه الصور المتنوعة في صورة كلية واحدة، تسمح، بعملية تخزينها في الذاكرة، بالتالي، بتصور "الكل" من رصد "الجزء". فعطر ما، أو صوت ما، يتيح لنا تخيل شخص ما لا نراه. إذاً في عملية تجميع الصور، الجسم العقلي الأدنى يقيم علاقة مقارنة، واستدلال، وتخيل، وتحليل، إلخ.
الوظيفة الثالثة هي في التأثير على أعضاء الحواس لتقوم هذه الحواس بردود فعل نتيجة إدراك حسي ما. فعندما تلمس يدُنا شيئاً ما (ناراً لاهبة مثلاً) فإنها تنسحب للوراء نتيجة الأمر الصادر عن العقل، بالرغم من أننا لا نعي ذلك بسبب سرعة رد الفعل وصيرورة الآلية الأوتوماتيكية.
ما يلفت بالأكثر انتباهنا هو الوظيفة الثانية للعقلي الأدنى، ألا وهي إقامة علاقة استدلاليةتحليلية في عملية جمع الصور؛ وهذه العلاقة هي ما ندعوه بـ"التفكير". ونوعية التفكير لا تتوقف على كمية الصور المجمَّعة فقط، وإنما أيضاً على المهارة في جمعها وشبكها فيما بينها.
فالعقل الأدنى هو عنصر التفكير العياني الملموس الذي يُجسِّم الموضوع المعنوي في صور مرئية أو صوتية إلخ، التفكير الذي يحدد الاختلافات بين الأشياء. ولنلاحظ أن الصور العقلية تشوِّه المواضيع (أو الأشياء) والإدراكات بسبب المحدودية الملازمة لحواسنا التي تعمل وكأنها مِصفاة. فالعقل الأدنى لا يعرف المواضيع أو الأشياء الخارجية على حقيقتها، إنما يعرف فقط انعكاساتها؛ وهذه الانعكاسات تتشكل في عقلنا الذي يقذفها بدوره خارجاً عنه. فنحن نعتقد أن ما نلاحظه موجود، حسب رصدنا له، موضوعياً لكن ما نراه في الحقيقة، هو الصورة العقلية المعنوية، التي تشكلت في داخلنا، أي الانعكاس. فالعالم الخارجي موجود حتماً؛ لكننا لا نراه على حقيقته، بل نرى الانعكاس الذي يتشكل في داخلنا لا أكثر.

■ فلنحدد الآن الاختلاف الموجود بين العقل والفكر والجسم العقلي الأدنى :
في كل مستويات التجلِّي، يوجد وعي وطاقة. فعلى المستوى العقلي، الوعي هو ما ندعوه الفكر أو العقل، والطاقة هي ما ندعوه "المادة" بالمعنى الواسع للَّفظ، أي الجسم العقلي الأدنى؛ وعلى المستوى النوراني، الوعي هو المشاعر والعواطف والأحاسيس ، والطاقة هي الجسم النوراني.
فالوعي الروحي في الشخصية يعبِّر عن نفسه بالعقل والفكر على المستوى العقلي الأدنى، ويعبِّر عن نفسه بالعواطف والمشاعر على المستوى النوراني، ويعبِّر عن نفسه بالفعل والحركة الجسمية على المستوى المادي. ففي كل مستوى يستعمل الوعي أداة مختلفة ليعبِّر عن نفسه، فحتى يعبِّر عن نفسه كفكر فإنه يستعمل الجسم العقلي الأدنى، وحتى يعبِّر عن نفسه كعواطف وأحاسيس فإنه يستعمل الجسم النوراني، إلخ. فالأداة سواء كانت الجسم العقلي الأدنى أو الجسم النوراني أو غيرهما، تقوم بتحويل تعبيرات الوعي عن نفسه وتضع لها حدوداً، ولكن بالإمكان العمل على تقليص هذه الحدود والقيود، وتجنب إظلام الوعي شيئاً فشيئاً.
إن العمل الأول للإنجاز بالنسبة للجسم المادي والنوراني هو "مَوْضَعَة" هذه الأجسام، أي جعلها موضوعية، ولجعل الشيء موضوعياً يجب أن نخطو خطوة إلى الوراء ونراه بشكل موضوعي، أي كشيء خارج عن الذات الحقيقية للإنسان، ذلك أن الإنسان المشروط بالشخصية الذي يعتبرها وكأنها "هو" لا يستطيع أن يخطو خطوة إلى الوراء لرؤية الجسم العقلي الأدنى على حقيقته. فالإنسان في وضعه التطوري الحالي هو نفسه الجسم العقلي الأدنى، أي أنه يتماهى مع هذا الجسم؛ "أنا أفكر، إذن أنا موجود،" فعند الإنسان، الجسم العقلي الأدنى والذات والفكر هي، للأسف واحدة.
يوجد شيء مشترك بين معنى الذات والجسم العقلي الأدنى . فالذات أو الأنا الشخصية، بواسطة تعريفها المعارض هي التعبير الواضح عن الانفصالية . فحيثما توجد الذات يوجد "الآخر"، ويوجد الآخرون . والجسم العقلي الأدنى هو مجال ومنبع هذه الانفصالية . فمعرفة "المختلف" وهي إحدى وظائف الجسم العقلي الأدنى تستجر التعارض بين هذه المختلفات، أي الانفصالية، ما دام الإنسان يحيا متماهياً مع شخصيته. ومن هنا الانجذاب الشديد بين الذات والجسم العقلي الأدنى؛ إذ إن كلاً منهما يشد من أزر الآخر، وكلاً منهما يجعل الوعي سجيناً للشخصية ومتماثلاً معها؛ مما ينتج عنه تعذر تنقية الجسم العقلي الأدنى وتطهيره.

■ فماذا يحدث عندما نعتقد أننا سيطرنا على الجسم العقلي الأدنى ؟
يحاول جزء من الجسم العقلي الأدنى السيطرة على جزء آخر من الجسم نفسه، وجزء من الذات يحاول أن يستعبد جزءاً آخر من الذات نفسها، ويمكن لنا بسهولة إدراك أن هذا العمل سيؤول إلى الفشل الذريع؛ ومع ذلك هذا ما نفعله دائماً، بكل النوايا الصالحة في العالم، بجهود متكررة وعقيمة . وهذه الجهود تؤدي إلى جعل الذات أقسى، أي إلى توسيع مدى الانفصالية التي نعيشها مع الآخرين وإغلاق الاتصال بين الذات العليا والذات الدنيا أو الشخصية . فللقيام بالسيطرة على الجسم العقلي الأدنى ينبغي الرسوخ بالوعي في ما وراء الذات، وللرسوخ في ما وراء الذات يجب التوقف عن التواحد مع الشخصية؛ وهذا يفترض أن الجسم العقلي الأدنى قد تمت السيطرة عليه ! فكيف نحل هذه المعضلة ؟ فلنحاول أن نفهم عمل الجسم العقلي الأدنى وآلية الذات.
إن معنى الذات، الأنا، ضروري للتطور ولكن إلى حدود معينة. إن "الذات Ego هي ما يساعدنا على التفرد، ويمنعنا من أن نصبح إلهيين" . والأمر نفسه ينطبق على الجسم العقلي الأدنى؛ فهو ليس عقبة بحدِّ ذاته، ولكن وظيفته وآليته هما اللتان تمنعاننا من أن نصبح "إلهيين".
العقل، برصده للاختلافات، يبت في الأمور، ويقيم المفاهيم، ويسمي الأشياء والأحداث والحالات النفسية؛ وعندئذٍ يظهر التفاف من جانب العقل الأدنى عندما تأخذ الأسماء والمفاهيم أهمية أكثر في حياتنا. إذاً فنحن لا نستقبل الحياة أو نعاينها كما هي الآن، وإنما نحكم عليها من خلال مفاهيم "مصنوعة" من قبلُ؛ وهذا بالتالي، نوع من التعلق بالماضي يصير عائقاً أمام التطور الروحي.

■ التفكير الصحيح هو الرؤية الصحيحة للأشياء. فكيف يمكننا اكتساب القدرة على تلك الرؤية الصحيحة وذلك التفكير المستقيم ؟
ضرورة الانتباه لكلِّ ما نقوم به. فالانتباه يلغي تدريجياً أضغاث الأحلام والهروب العقلي اللذين يشغلان الوقت الأطول من حياة الناس . فهذا الانتباه "اللحظي"، الحاضر دائماً، يجب أن يسبق التركيز والتأمل؛ وكل تأمل وتركيز سيكون بدون فائدة إذا لم نحوز على الانتباه للَّحظة الحاضرة، لأنها الخطوة الأولى على طريق تهدئة الأفكار التي تعيق كل تركيز؛ وهذا التركيز ليس إلا القدرة على الانتباه المتنامية تدريجياً. يوجد تركيز عندما ينتفي كل حكم مسبق و/أو إشراط ، وتنتفي بالتالي، كل الأحكام المسبقة، وكل تعلق بالمفاهيم "المعلَّبة". ويبدأ التركيز الصحيح عندما يبدأ العقل بالرصد الموضوعي، أي يكون حاضراً كلياً "الآن"، في اللحظة الراهنة؛ أي عندما لا يعود هناك رفض أو اضطراب. وعندئذٍ يبدأ التأمل بأخذ مكانه الشرعي. فالتأمل يبدأ عندما يصمت العقل الأدنى (الذات الشخصية). إذ ذاك تبدأ الطاقات الروحية بـ"تشريب" الأجسام الدنيا، وتكتمل تنقية الجسم العقلي الأدنى بحذف الاهتزازات العقلية المتدنية والغليظة التي لا يمكن لهذه الطاقات الروحية التواجد معها. فعملية تنقية الجسم العقلي الأدنى ليست من اختصاص الشخصية، وإنما هي عمل يتم على الشخصية من دفق الطاقات الروحية.
عندما نشرع في التأمل فإننا لا نصل في الحال للسكون العقلي؛ فالمهم هو الوصول إلى غياب الرفض والاختيار والحكم . فإذا كان هناك مجهود لحذف الأفكار فإن هذا المجهود سيقوِّي مقاومتها. إذاً من الأفضل محاولة رصد هذه الأفكار دون كبحها، ودون تشجيعها أيضاً؛ أي بمعنى آخر، رصدها بطريقة حيادية. عندئذ تبدأ الأفكار تتوارد مثل صور فيلم، كصور خارج الشاشة وخارج المشاهد لها. وإذا قمنا برصد هذه الأفكار على نفس منوال رصد الصور في الفيلم فهذا يعني بداية الخطو إلى الوراء عن الجسم العقلي الأدنى، وبداية الكف عن التماهي معه . ونحن نلاحظ أن الأفكار، مثل الصور في الفيلم، ليست متتابعة. فكل منا يعتقد أن ذاته صلبة وذات استمرارية؛ ولكن هذا غير صحيح. فأفكارنا عبارة عن صور متتابعة، منفصلة تماماً بعضها عن بعض، فكل منها منفصل عن الآخر، ولكن سرعة عرض الفيلم توحي لنا بأنها متتابعة؛ ولكن هذه الاستمرارية أو التتابع ليس إلا ظاهرياً وحسب.

■ وبالفعل، ما هي الفكرة ؟ أو ما هي الأفكار ؟
الوعي الروحي يعبِّر عن نفسه على المستوى العقلي الأدنى بواسطة الجسم العقلي الأدنى، فيظهر وكأنه عقل أو تفكير أو مجموع الأفكار . فالوعي الواحد يظهر على شكل أفكار مختلفة ومتباينة. ولتوضيح ذلك سنعطي مثالاً صغيراً عن الأمر :
النور الأبيض الذي يجتاز الموشور يتفكك إلى ألوان متعددة (الألوان السبعة) . فمن جهة، لدينا النور الأبيض، ومن جهة ثانية، لدينا تفرعات ملونة، ألوان مختلفة كانت موجودة كامنةً في النور الأبيض. هذه الألوان هي، إذن، انبثاقات من النور الأبيض. ويمكننا مقارنة الوعي النقي الروحي بالنور الأبيض، والجسم العقلي الأدنى بالموشور والألوان المختلفة الناتجة عنه. فعالم الأفكار هو عالم التفرعات، وعالم الوعي النقي هو عالم الوحدة . فإذا كان بالإمكان للوعي أن يصير عقلاً فإننا نستطيع تخيل حركة معكوسة ارتدادية، تعيد للعقل قدرته على أن يصبح وعياً نقياً غير متعيِّن، أي غير مجزأ. بمعنى آخر، فإن التنوع والاختلاف ليس إلا الوحدة المُعايَنة من الجانب الآخر للموشور. كذلك نستطيع القول إن الزمن هو الأبدية منظوراً إليها من الجانب الآخر للموشور . من الممكن التحرر من التنوع، من الزمن، من النسبي، على الرغم من أننا نعيش في هذا العالم، أي الآن وفي اللحظة الآنية.
فرؤية الموضوع من وجهة نظر العقل الأدنى تعني أننا أرجأنا التحرر والانعتاق إلى الغد؛ والغد هو دائماً اليوم التالي . أما لدى رؤية الموضوع من وجهة نظر الوعي النقي فإن الانعتاق يتم الآن والتحقيق يكون في هذه اللحظة. إنه توحيد ما كان مجزَّءاً. لكن رب قائل يقول إننا لا نستطيع المسير نحو الوعي الروحي لأننا دائماً نقف على الجانب الآخر من الموشور . هذا صحيح؛ وفي كثير من الأحيان نكون "مقيدين" بالجانب الآخر ومع ذلك فبإمكاننا "التحرر" إذا بدأنا نتبنى نظرة جديدة إلى التنوع والاختلاف، وبدأنا في تعليم العقل الأدنى بأن ينظر نظرة محايدة لمختلف أوْجُه التنوعات.
ولكن هناك صعوبة في النظر بحياد؛ وتعود هذه الصعوبة إلى ماضينا . فالذاكرة اللاواعية مليئة بالأحكام والرفض والتأسف والكبت التي نحملها في داخلنا والتي تمنعنا من الحياة في الحاضر. وكم من أناس يجدون صعوبة في نسيان ذكريات الطفولة التعسة ولكن لنحاول أن نرى ماضينا دون صبغه بكلمة "سعيد" أو "تعيس"؛ وهذا سيساعدنا على التحرر من الكثير من ردود الفعل العقلية التي يتراءى لنا أنها غير مسيطر عليها (ونحن نقول إنها "غريزية")، ولكنها ليست سوى تجمعات من الأحكام في ذاكرتنا اللاواعية. وما دمنا نبحث عن الوحدة الكلِّية خارج التنوعات الظاهرية فإن من العبث أن ننجح في طريقنا الروحي، لأن التنوعات هي التعبير عن الوحدة في العوالم الدنيا، وهي إفصاح عن تناغم الحياة في تناقضاتها. والعقل الأدنى هو الأداة التي تسمح لهذا التعبير عن الوحدة بالتجلِّي في الشخصية. فإذا بقي الكائن الإنساني يتماهى مع جسمه العقلي الأدنى، متناسياً علاقته وارتباطه مع الذات العليا، فإنه لن يرى سوى التناقضات والتعارضات والتنوعات في العالم؛ وهذا بالتالي، سيؤدي إلى الانفصالية بين هذا الإنسان والكون المحيط به. ولكن بامتلاكه للوعي، يتمكن الإنسان من السيطرة على العقل الأدنى بواسطة الذات العليا التي هي حقاً السيد الآمر على العقل الأدنى المضطرب.
ويجب أن ندرك ونعي أن دفق الطاقات الروحية محدود ومقيد بجبال هائلة من مشاعرنا وأحاسيسنا ورغباتنا وأفكارنا الجامحة . وعندما نعي ذلك بوضوح فإننا ندرك حتماً أن هدفنا وعملنا الأول هو إزالة هذا الركام للوصول إلى الحقيقة الروحية . ولكن ماذا نفعل في الواقع ؟ إننا نزيد الأمر سوءاً بإخفاء هذا الركام الداخلي وكبته وتجاهله، مما يزيد في الحيلولة دون النور الإلهي وإنارة دخيلتنا.
إن هدفنا ليس حيازة المعرفة بحدِّ ذاتها، وكأنها الهدف الأول والأخير المنشود؛ ولكن بدونها لا يوجد أمل لنا بالخلاص من سيطرة الذات الدنيا . وقد يعتقد بعضهم أن ذلك غير متاح إلا لقلة من الروحانيين؛ وهذا غير صحيح . إن بإمكاننا من خلال أجسامنا، رغم كل مشاكلنا الحياتية، السيطرة على الذات ولكن شريطة أن تكون لدينا رغبة صادقة وشجاعة لا تلين في السير على الطريق الروحي، مهما اعترضنا من عوائق وأشواك ناتجة عن ماضينا.

 0  1  2614
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:29 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.