• ×

04:53 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

◄ في الحقيقة كنت أريد أن أكتب حول هذا الموضوع لكني من غير ميعاد وجدت هذا المقال للدكتور خالد الخالدي فهو في قمة الروعة وأتمنى من أصحاب القرار أن يعتنوا به ويطبقوه فسوف يرون خيراً كثيراً وننتظر مشاركة الجميع لإثراء الموضوع فهو بحق جميل ويحتاج لتطبيق.
مرض خطير وفتاك ينتشر في أوساط بعض المثقفين وأصحاب الشهادات العليا مرضٌ خطيرٌ مُعْدٍ وفتاك، هو مرض تسوُّل المناصب.

■ أعراض المرض :
تبدأ أعراض هذا المرض بأن يظلَّ المريض دائم التفكير في كيفية الوصول إلى المنصب الأكبر، ويسيطر عليه شعور مستمر بالظلم، مهما علا منصبه، وتتملكه دوماً رغبة عارمة بالحصول على منصب أعلى، ويلاحَظ أن المريض يكثر من الشكوى والتذمر والغيبة والاتهام والتجريح لمن هم أعلى منه منصباً، ولا يَمَلُّ من الحديث عن ذاته وصفاته ومميزاته وفضائله ومناقبه وتاريخه، وتجده يكرر ما يقوله مراتٍ ومرات، ويتلذذ بقصصه ورواياته عن نفسه، دون أن يشعر أنه يكرر حديثه، أو يُمِلّ السامعين، ثم يصبح دائم الغضب والنقد لأصحاب السلطة الذين لم يكتشفوا مواهبه، ولم ينزلوه منزلته، فيهاجمهم في مجالسه الخاصة، لكنه يمدحهم ويتقرب إليهم وينافقهم كلما لقيهم أو لقي المقربين منهم، وقد يمدحهم بخطب بليغة، وكلمات رنانة، وقصائد طويلة، لعلهم يشفقون عليه بالمنصب الذي يحلم به، وهو في سبيل المنصب يتبلد، ويرضى بإهانة نفسه أمام الناس، ولا يهتم بازدراء الآخرين له، وسخريتهم منه، وتصنيفهم له بأنه من شعراء البلاط المتملقين المداحين، ثم في سبيل المنصب يصير مستعداً للكذب والكيد والتآمر والتزوير وحلف الأيمان الكاذبة، ثم يبدأ في تسويق نفسه، وإرسال من يطالبون له بالمنصب المنشود.

■ نمو المرض :
ثم يتطور المرض، فيدلق المريض ماء وجهه، ويفقد الحياء، ويطلب المنصب بنفسه، ويرجو ويتوسل ويلح، ولا يمنع المريض عن هذه الممارسات المهينة سِنٌّ أو علمٌ أو شهادةٌ رفيعة أو مكانة اجتماعية، ولا تثنيه سخريات وإهانات من يتوسل إليهم، وتجده يطير فرحاً إذا حصل على ما يريد، ويحزن ويكتئب ويمرض وربما يُنقل إلى المستشفى إن وُزِّعت المناصب دون أن ينال منها شيئاً.

■ مخاطر المرض :
مخاطر هذا المرض تكمن في أنه يصيب الفئة المثقفة المتعلمة في المجتمع، فيشلّها، ويُقعدها ويُعطِّل دورها الدعوي والتربوي والعلمي والتعليمي والجهادي؛ لأن القيام بهذه المهمات العظيمة يتطلب ذهناً صافياً، ونفساً راضية، وهمة عالية، وقدوة صالحة، ولهجة صادقة، وحماساً شديداً، وجرأة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي صفات قتلها مرض تسول المناصب، ولم تعد متوفرة لدى كثير من المثقفين المتعلمين المصابين.

■ من أهم المخاطر :
ومن مخاطره أيضاً أنه يوصل كثيراً من المرضى وغير الأكفاء إلى مناصب مهمة، فيضرون المؤسسة، ويفشلونها، ولا يخدمون إلا مصالحهم الشخصية، إذ من المستحيل أن ينجحوا مَنْ ضحوا بكرامتهم وأخلاقهم ودينهم من أجل منصب دنيوي رخيص، ومن المؤكد أنهم لن يُسَخِّروا تلك المناصب إلا في تحقيق مصالحهم.
اتمنى من إدارة التعليم وأصحاب القرار أن يفقهوا هذه الجزئية، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى قد تعهد بالتخلي عن إعانة من وصل إلى المنصب من خلال التسول، فقال : (لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إن أُوتِيتَهَا عن مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا من غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عليها).
ومن مخاطره أيضاً أنه مرضٌ مُعدٍ، لأنه يبدأ بالكبار الذين يُفترض أن يُقتدى بهم، ثم ينتقل إلى من هم دونهم سناً وعلماً وشهادة، ويظل المرض - إذا لم يُعالج بسرعة - يسري في المجتمع إلى أن يحوله إلى مجتمع متصارع لاهثٍ وراء الدنيا وشهواتها الرخيصة، ولا يُرجى منه بعد ذلك خير أو نصر.

■ طريقة القضاء على هذا المرض :
وللقضاء على هذا المرض، وتخليص المجتمع من شره، لابد لأصحاب القرار أن يتخذوا قراراً صارماً حازماً بألا يعطوا منصباً لمن سأله أو حرص عليه، متبعين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - القائل : (إنّا والله لا نولي هذا العمل أحداً يسأله أو أحداً حرص عليه)، والقائل : (إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة)، عاملين برأي أهل العلم، الذين أفتوا بعدم جواز تولية من سأل الإمارة أو حرص عليها، ونصحوا بذلك، فقال سفيان الثوري : (إذا رأيت الرجل حريصاً على الإمامة فأخره).
وليقتدي الجميع بالصحابة الكرام ومَنْ تبعهم من الصالحين، فقد قال أبو بكر في أول خطبة له بعد توليه الخلافة : (والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة قط، ولا كنت فيها راغباً، ولا سألتها الله - عز وجل - في سرِّ أو علانية، ولكني أشفقت من الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، ولكن قُلِّدْتُ أمراً عظيماً مالي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله عز وجل، ولوددت أنَّ أقوى الناس عليها مكاني اليوم)، ويقول : (فإني وليتُ هذا الأمر وأنا له كاره، والله لوددتُ أن بعضكم كفانيه)، وروي أنه قال لعمر قبل أن يُسْتَخلف : (ابسط يدك نبايع لك)، فقال له عمر : (أنت أفضل مني)، فقال له أبو بكر : (أنت أقوى مني)، فقال له عمر : (فإن قوتي لك مع فضلك)، فبايعه، وروي أن عمر بن الخطاب عزل عمير بن سعد عن حمص، وضمها إلى معاوية .. وعندما وصل عمير إلى المدينة ماشياً يحمل متاعه في كيس صغير على ظهره، سأله عمر : (لماذا جئتَ ماشياً؟)، فقال : (ما عندي دابة، وما أعطوني، وما سألتهم)، فاعتذر إليه، وأكد له أنه ما عزله لسوء رآه عليه، أو سمعه عنه، فردّ عمير رداً يصلح دواءً للمصابين بداء تسول المناصب، إذ قال : (والله يا أمير المؤمنين ما سرَّني توليتك، ولا أحزنني عزلك)، وعرض عليه عمر ولاية جديدة يتولاها فرفض، لقد وعي هؤلاء الكبار الكرام نصح النبي - صلى الله عليه - وسلم لأبي ذر : (إِنَّهَا أَمَانَةٌ وَخِزْيٌ وَنَدَامَةٌ يوم الْقِيَامَةِ إِلاَّ من أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الذي عليه فيها)، فأدركوا أن المناصب أمانة ثقيلة، وحساب عسير، فخافوا منها، وزهدوا فيها، وعندما أُكرهوا عليها أحسنوا وأبدعوا ونجحوا، فأحبهم الناس، وسعدت بهم الأمة.

 3  0  3771
التعليقات ( 3 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1432-12-22 03:10 مساءً عبدالرشيد عبدالوهاب ساعاتي :
    الأخ العزيز ( ابوصهيب ) مقال رائع بل اكثر من رائع وهو حقيقة مرة يعج بها مجتمعنا وللأسف فكم من منصب تهافت عليه الكثير أما لسمعة اجتماعية او مصلحة مالية او سلطة غير شرعية ، وياأسفا على ذلك ، فنحن اليوم بحاجة ماسة إلى تقنين المسؤلية وترتيب الأولوية وتحديد المسارات وفق منظومة بناءة ترقى بناء نحو مايخطط له المشرعين في بلادنا ... وفقكم الله
  • #2
    1432-12-22 10:14 مساءً ابو محمد الدوسي :
    اخي الفاضل كفيت ووفيت ويعلم الله بان الدكتور خالدالخالدي قد اوفى وابان من الحديت والقران باهل المناصب وسوف يكون عليهم عملاثقيل يوم القيامه لمن ارادبه مصلحتهه .
    بارك الله فيك ونتطلع للمزيد القادم...
  • #3
    1433-01-12 02:54 صباحًا ساره العطاوي :
    اقف احترماً لهذا المقال ووالله يعتبر بالنسبة لي فوق المستوى
    سلمك الله لهذا النقل الاكثر من رائع
    لافض فوك ايه الكاتب مقال موفق وواقعي

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:53 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.