• ×

10:16 مساءً , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

◄ أيها المؤمنون / عباد الله، إن من نعم الله تعالى علينا في هذه الشريعة المباركة أن ألف بين قلوب المؤمنين وجمع شتاتها ولمَّ شعثها، وقد شرع الله سبحانه وتعالى لتحقيق ذلك شرائع، وحد حدوداً، ففرض سبحانه وتعالى على المؤمنين واجبات وحقوقاً لبعضهم على بعض، تصلح ذات بينهم، وتجمع قلوبهم، وتؤلف بين صدورهم، فكان من تلك الشرائع حق الجوار.

■ أيها المؤمنون :
إن حق الجار على جاره مؤكد بالآيات البينات والأحاديث الواضحة، فهو شريعة محكمة وسنة قائمة قال الله تعالى : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ (النساء : 36).
ففي هذه الآية الوصية بالجيران كلهم قريبهم وبعيدهم مسلمهم وكافرهم وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم حق الجار تأكيداً عظيماً ففي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) أخرجه : البخاري في كتاب الأدب برقم (6015) وأخرجه : مسلم في البر والصلة والآداب برقم (2625) وهذا يدل على تأكيد حق الجار فإن النبي صلى الله عليه وسلم ظن أن نهاية هذا الحرص, وتلك الوصايا من جبريل عليه السلام أن يكون للجار نصيب من الميراث.

■ أيها المؤمنون :
إن حقوق الجار كثيرة عديدة وهي في الجملة دائرة على ثلاثة حقوق كبرى : الإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم، واحتمال الأذى منهم.
• أما الحق الأول : فإنه الإحسان إلى الجيران فقد أمر الله سبحانه بذلك في كتابه فقال سبحانه : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (النساء : 36) وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) أخرجه : مسلم في الإيمان برقم (48).
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإكرام الجار, وجعل ذلك من لوازم الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) أخرجه : البخاري في كتاب الأدب برقم (6019) وأخرجه : مسلم في الإيمان برقم (47).

■ أيها المؤمنون :
إن من الإحسان إلى الجيران سلامة القلب عليهم، وحب الخير لهم في صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفسي بيده لايؤمن عبد حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه) أخرجه : مسلم في الإيمان برقم (45).
وفي هذا تأكيد حق الجار, وأن الذي لا يحب لجاره ما يحب لنفسه من الخير فإنه ناقص الإيمان, وفي هذا غاية التحذير ومنتهى التنفير عن إضمار السوء للجار قريباً كان أو بعيداً.

■ أيها المؤمنون :
وإن من الإحسان إلى الجار الحرص على بذل الخير له قليلاً كان أو كثيراً, كما قال الله تعالى : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ (الطلاق : 7) وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) أخرجه : البخاري في الأدب برقم (6017) وأخرجه مسلم في الزكاة برقم (1030) ومعنى : فرسنُ الشاة هو حافرها، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : (أي لا تحقرن أن تهدي إلى جارتها شيئاً ولو أنها تهدي مالا ينتفع به في الغالب) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (10 / 445) والمقصود أن يتواصل الخير والود والبر بين الجيران، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا أبا ذر إذا طبخت مرقه فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) أخرجه : مسلم في البر والصلة والآداب برقم (2625).
وأولى الناس بالإحسان من الجيران أقربهم منك باباً, فعائشة رضي الله عنها قالت : (يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي قال صلى الله عليه وسلم : إلى أقربهما منك باباً) أخرجه : البخاري في الأدب برقم (6020).

• وأما ثاني الحقوق فهو كف الأذى عنهم، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) أخرجه : البخاري في كتاب الأدب برقم (6018) وأخرجه : مسلم في الإيمان برقم (47) وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والله لا يؤمن, والله لا يؤمن والله لا يؤمن, قيل : من يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يأمن جاره بوائقه) أخرجه : البخاري في الأدب برقم (6016)، أي لا يأمن شره وخطره وفي رواية لمسلم قال صلى الله عليه وسلم : (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) أخرجه : مسلم في الإيمان برقم (46) وهذا فيه تعظيم لحق الجار, ووجوب كف الأذى عنه، وأن إضراره من كبائر الذنوب, وعظائم المعاصي, وقد عظم الله جل وعلا إلحاق الأذى بالجار وغلظ فيه العقوبة ففي الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم ؟ فقال : (أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك, قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك) أخرجه : البخاري في تفسير القرآن برقم (4477) وأخرجه : مسلم في الإيمان برقم (86) وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله قال صلى الله عليه وسلم : (لأن يسرق من أهل عشرة أبيات أيسر من أن يسرق من بيت جاره) أخرجه : أحمد من حديث المقداد بن الأسود برقم (23342).

• وأما ثالث الحقوق الكبرى فهو احتمال الأذى منهم والصبر على خطئهم, والتغافل عن إساءتهم, فعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله عز وجل يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة) وذكر في الثلاثة الذين يحبهم (رجل كان له جار سوء يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يكفيه الله إياه بحياة أو موت) أخرجه : أحمد من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه رقم (21020).

■ أيها المؤمنون :
إن للجوار في دين الإسلام حقاً عظيماً حتى إن جبريل أعاد في أمر الجار وأبدى تأكيداً لحقه وبياناً لحرمته، فاتقوا الله عباد الله فإن الكرام خيار الناس للجار، وقد قيل :
يلومونني أن بعت بالرخص منزلي ● ● ● ولم يعلموا أن لي جاراً ينغص
فقلت لهـم : كفوا المـلام فإنما ● ● ● بجيرانها تغلو الديار وترخص

■ أيها المؤمنون :
إن الجار الذي تجب له تلك الحقوق هو الذي يعد في العرف جاراً وليس لذلك ضابط من عدد أو غيره فالمرجع في تحديد من هو الجار يعود إلى عرف الناس فكل من عده الناس جاراً لك فهو جار تجب له تلك الحقوق وأكثرهم فيها من كان أقربهم منك باباً.

■ أيها المؤمنون :
إن الناظر في واقع الناس اليوم يرى كيف أن الدنيا قد استولت على قلوب كثير من الناس فعصفت بكثير من الأخلاق والقيم وأنست كثيراً من الحقوق والواجبات الشرعية فتباعدت القلوب, وتنافرت النفوس، فعق الولد أباه، وقطع الأخ أخاه، وهجر الجار جاره، فضاعت الحقوق، وقامت سوق القطيعة والعقوق إلا من رحم الله، فكم هم الذين أساؤوا إلى جيرانهم فمنعوهم الإحسان, وبذلوا لهم القطيعة والأذى، فاتقوا الله عباد الله وأحسنوا إلى جيرانكم، مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، ابذلوا لهم الخير ما استطعتم وردوا عنهم الشر ماملكتم، تلطفوا إليهم بالهدية والزيارة فإن لم تجدوا خيراً تبذلونه فلا أقل من كف الشر عنهم.

 0  0  1773
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:16 مساءً الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.