• ×

01:19 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ نحن في زمن المراجعة؛ نراجع كلّ شيءٍ؛ فقديمًا عرفت الأمم ذات الإرث الحضاري ما يسمّى بأدب المراجعة، أو أدب الوقفات فأخذت حضّها منه - ولمّا تزل -، وباشرته في كلّ شؤونها؛ استنطاقًا للأخطاء، وتعزيزًا للبناء، فأثمرت بحقٍّ نتائجَ مدهشة أدّت إلى تحوّلات جذريّة : فكريّة، وعلميّة، ومجتمعيّة؛ فأنبتت للحضارة الإنسانيّة ما أنار الطّريق وأهدى للعقول.

■ وأدب المراجعة :
ليس غريبًا عنّا فمنذ النشأة الأولى للإسلام وهو حاضر ينشط تارة وعلى (استحياء)، ويغيب تارات متلاحقة إذ أنّه أدب يبحث عن مواطن الخلل في كلّ مرّحلة من المراحل للتّصحيح والتّقييم : تصحيح الخطأ، وتعديل المعوج؛ لمعرفة اللّباب من اليباب، والجوهر من السّاقط.
فهل أبالغ إذا قلت إنَّ أدب المراجعة أصبح في عِداد الموتى بعد أن أُصيب العقل العربيّ وتحديدًا الإسلاميّ بحالة من الجمود و (التّرهل) وهو يتدثّر بأخطر عباءة يلْتحفها؛ إسقاطًا لحالة من القداسة على الاجتهادات البشريّة وما يصدر عنها، حتّى أصبحنا بفعل معطيات متساوقة ومتقاطعة إلى حالة من (التّوثين) و (التّصنيم) ! ونسينا في غمرة الفهم القاصر والقداسة المصطنعة أنَّ كلّ يؤخذ منه ويترك إلاَّ المعصوم عليه الصّلاة والسّلام.

لقد كان القرآن الكريم في غاية الصّراحة والوضوح دعوةً إلى التّمحور حول الفكرة لا إلى المُنْبِت لها؛ أي أنّه يدعو بصريح القول؛ تركيزًا على الفكرة في ذاتها لا على مُنْبِتها والراعي لها / أشخاص؛ ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ.
إنَّ عملية المراجعة في حقيقتها الجوهريّة جزءٌ أساس من عمليّة التّجديد؛ فلا قيمة للمراجعة إنْ لم تكشف لنا السّوءة، وتبيّن الخطأ، وتثمر رؤية جديدة في الحقول المستعصية عن المناقشة، أو الحلول بفعل الغوية القدسيّة المصطنعة.
إنَّ الدِّين بمفهومه الواسع لا يقف في وجه القيمة الكبرى للمراجعة وإلاَّ كان الحديث النبوي الشريف : إنَّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مئة سنة من يجدد لها دينها؛ عبثًا، وكلامًا هلاميًّا وحاشاه أن يكون.

إنَّ عملية المراجعة في أسّها الذي ينبغي التّعويل عليه : نفثٌ للخبث، ونزعٌ لنابتة السّوء؛ تقويمًا للاعوجاج، وتصويباً للخطأ، وتدريبًا للعقل وتمريناً للّتفكير، وتأكيداً على أن الله سبحانه وتعالى لم يثب على الخطأ إلاَّ في حالة الاجتهاد الفكري : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجره، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر. ولا يمكن أن يغفل الباحث أن ثمة العديد من صنوف المراجعات تمثّل في المجمل مرجعات فكريّة قام بها بعض المفكرين على امتداد تاريخنا كان لها أثرها، ولكنَّه أثرٌ لا يتجاوز القشرة ولا يتعداها حتّى أصبح لدينا تركة عظيمة من الأخطاء، وحِزمٌ كثيرة من الأزمات.
إنَّ مواريث الأجيال النّابغة على امتداد تاريخها الفكريّ في الحضارات شرقًا وغربًا تنبئ عن الدّور الكبير الذي لعبه أصحابها، وهم يصرفون الأوقات، ويجنّدون الطّاقات؛ لتقويم الأوضاع إذا أعوجّت، وتقييم الأخطاء والإخفاقات إذا شاعت أو انتشرت.
إنَّ تجارب الحياة الفكريّة والاجتماعيّة تطلعنا بلا شك بالقول : إنَّ الوقوف عند المتوارثات نقلاً عن جيل سابق لجيل لاحق دون (مراجعة)، وتمحيص، وتصحيح وتقييم؛ هي هي بعينها ناقلٌ للأمراض المعدية !

 0  0  2193
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:19 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.