• ×

01:19 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

◄ فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، التي هي معتصم عند البلايا، وسلوان في الهم والرزايا، واعلموا حفظكم الله ورعاكم، أن الابتلاء سنة ربانية ماضية، هي من مقتضيات حكمة الله سبحانه وعدله، متمثلاً وقعه بجلاء، في الفقر والغنى، والصحة والمرض، والخوف والأمن، والنقص والكثرة، بل وفي كل ما نحب ونكره، لا نخرج من دائرة الابتلاء.
قال الله تعالى : (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) (الأعراف : 168).
قال الله تعالى : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) (الأنبياء : 35).
قال ابن عباس رضي الله عنهما : نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال.

♦ عباد الله :
العاقل الحصيف يجب عليه حتماً أن يوقن، أن الأشياء كلها قد فرغ منها، وأن الله سبحانه، قدر صغيرها وكبيرها، وعلم ما كان وما سيكون وأن لو كان كيف يكون، قال الله تعالى : (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء) (الأنعام : 38).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أول ما خلق الله القلم قال له : اكتب قال : رب وما أكتب ؟ قال : اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)) رواه أبو داود.
فالمقادير عباد الله كائنة لا محالة، وما لا يكون فلا حيلة للخلق في تكوينه، وإذا ما قدر على المرء حال شدة، وتكنّظته الأمور، فيجب عليه حينئذ أن يتزر بإزار له طرفان : أحدهما الصبر، والآخر الرضا، ليستوفي كامل الأجر لفعله ذلك، فكم من شدة قد صعبت، وتعذر زوالها على العالم بأسره، ثم فرج عنها بالسهل في أقل من لحظة.
قيل للحسن : يا أبا سعيد : من أين أتي هذا الخلق ؟
قال : من قلة الرضا عن الله ؟
قيل : ومن أين أتي قلة الرضا عن الله ؟
قال : من قلة المعرفة بالله.
ولما جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج ليقتله، بكى رجل فقال له سعيد : ما يبكيك ؟ قال : لما أصابك. قال سعيد : فلا تبك إذا، لقد كان في علم الله أن يكون هذا الأمر، ثم تلا : (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) (الحديد : 22). وما يصيب الإنسان، إن كان يسره فهو نعمة بينة، وإن كان يسوؤه فهو نعمة؛ من جهة أنه يكفر خطاياه ويثاب عليه، ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها قال الله تعالى : (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (البقرة : 216) وصدق رسول الله إذ يقول : (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له؛ ولا يكون ذلك إلا للمؤمن) رواه مسلم.
حديثنا في هذه الجمعة عن الهم والحزن الذي لا يسلم منه أحد فيدخل على المرء من غير باب ولا تعوقه حواجز ولا أبواب. وهو أعظم جند الله تعالى فإذا نزل على العبد أهلكه. وآن الأوان للحديث عن العلاج.
لا شك أن العقيدة تؤثر في معالجة المهموم، فترى كثيراً من الكفار وكذلك ضعفاء الإيمان يُصابون بالانهيار أو يُقدمون على الانتحار للتخلص من الكآبة والحبوط واليأس إذا ما أصابتهم مصيبة، وكم ملئت المستشفيات من مرضى الانهيارات العصبية والصدمات النفسية وكم أثرت هذه الأمور على كثير من الأقوياء، فضلاً عن الضعفاء، وكم أدت إلى العجز التام أو فقدان العقل والجنون. أما من اهتدى بهدي الإسلام فإنه يجد العلاج فيما أتى من لدن العليم الخبير الذي خلق الخلق وهو أعلم بما يصلحهم "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير".
فهلم إلى استعراض شيء من أنواع العلاجات التي جاءت في هذه الشريعة :
• أولاً : التسلّح بالإيمان المقرون بالعمل الصالح قال الله تعالى : (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) وسبب ذلك واضح، فإن المؤمنين بالله الإيمان الصحيح، المثمر للعمل الصالح المصلح للقلوب والأخلاق والدنيا والآخرة، معهم أصول وأسس يتعاملون بها مع كلّ ما يرد عليهم من أنواع المسرات والأحزان ويتلقون المكاره والمضار والهم والغم بالمقاومة والصبر الجميل لما ليس لهم عنه بد، فيحصّلون منافع كثيرة ومن ذلك : المقاومات النافعة، والتجارب المفيدة، وقوة النفس، وأيضاً الصبر واحتساب الأجر والثواب وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي تضمحل معها المكاره، وتحل محلها المسار والآمال الطيبة، والطمع في فضل الله وثوابه، كما عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى في الحديث الصحيح بقوله : (عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ) رواه مسلم.

• ثانياً : النظر فيما يحصل للمسلم من تكفير الذنوب وتمحيص القلب ورفع الدرجة، إذا أصابته غموم الدنيا وهمومها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) رواه البخاري. فليعلم المهموم أن ما يصيبه من الأذى النفسي نتيجة للهمّ لا يذهب سدى بل هو مفيد في تكثير حسناته وتكفير سيئاته، وأن يعلم المسلم أنه لولا المصائب لوردنا يوم القيامة مفاليس كما ذكر بعض السلف ولذلك كان أحدهم يفرح بالبلاء كما يفرح أحدنا بالرخاء. قال صلى الله عليه وسلم : (إن الله إذا أراد بعبد خيراً عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبد شراً أمسك عنه حتى يوافى يوم القيامة بذنبه) رواه الترمذي.

• ثالثاً : معرفة حقيقة الدنيا. فإذا علم المؤمن أن الدنيا فانية، ومتاعها قليل، وما فيها من لذة فهي مكدّرة ولا تصفو لأحد. إن أضحكت قليلاً أبكت طويلاً، وإن أعطت يسيراً منعت كثيراً، والمؤمن فيها محبوس كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) رواه مسلم، إن هذا المعنى الذي يدركه المؤمن لحقيقة الدنيا يهوّن عليه كثيراً من وقع المصاب وألم الغمّ ونكد الهمّ لأنه يعلم أنه أمر لا بدّ منه فهو من طبيعة هذه الحياة الدنيا.

• رابعاً : ابتغاء الأسوة بالرسل والصالحين واتخاذهم مثلاً وقدوة. وهم أشد الناس بلاءً في الدنيا، والمرء يبتلى على قدر دينه، والله إذا أحب عبداً ابتلاه وقد سأل سعد رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : (الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْباً اشْتَدَّ بَلاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) رواه الترمذي.

• خامساً : أن يجعل العبد الآخرة همه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ) رواه الترمذي. قال ابن القيم رحمه الله : إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمّل الله عنه سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كلّ ما أهمّه، وفرّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكَلَه إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم، فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره. فكلّ من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته. قال تعالى : (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين) الفوائد.

• سادساً : وثمة علاج مفيد ومدهش وهو ذكر الموت. لقوله صلى الله عليه وسلم : (أكثروا ذكر هادم اللذات : الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيَّقها عليه) رواه البزار عن أنس.

• سابعاً : دعاء الله تعالى. وهذا نافع جداً ومنه ما هو وقاية ومنه ما هو علاج، فأما الوقاية فإن على المسلم أن يلجأ إلى الله تعالى ويدعوه متضرعاً إليه بأن يعيذه من الهموم ويباعد بينه وبينها، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أخبرنا خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه عن حاله معه بقوله : كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل فكنت أسمعه كثيراً يقول : (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) رواه البخاري. وهذا الدعاء مفيد لدفع الهم قبل وقوعه والدفع أسهل من الرفع. فإذا وقع الهم فباب الدعاء مفتوح، ومن أعظم الأدعية في إذهاب الهمّ والغم والإتيان بعده بالفرج : الدعاء العظيم المشهور الذي حثّ النبي صلى الله عليه وسلم كلّ من سمعه أن يتعلّمه ويحفظه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (مَا أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا نَتَعَلَّمُهَا ؟ فَقَالَ : بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا) رواه الإمام أحمد في المسند.

وقد ورد في السنّة النبوية أدعية أخرى بشأن الغم والهم والكرب ومنها :
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ : (لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) رواه البخاري.
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حز به أمر قال : (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث) الترمذي.
وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (أَلا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ أَوْ فِي الْكَرْبِ اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) رواه أبو داود.
ومن الأدعية النافعة في هذا الباب أيضاً ما علمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : (دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ) رواه أبوداود. فإذا لهج العبد بهذه الأدعية بقلب حاضر، ونية صادقة، مع اجتهاده في تحصيل أسباب الإجابة، حقق الله له ما دعاه ورجاه وعمل له، وانقلب همه فرحاً وسروراً.

• ثامناً : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي من أعظم ما يفرج الله به الهموم.
عن أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ قَالَ أُبَيٌّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاتِي فَقَالَ مَا شِئْتَ قَالَ قُلْتُ الرُّبُعَ قَالَ مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ النِّصْفَ قَالَ مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ قَالَ مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ أَجْعَلُ لَكَ صَلاتِي كُلَّهَا قَالَ إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ) رواه الترمذي.

• تاسعاً : التوكل على الله عز وجل وتفويض الأمر إليه. فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام، ويعلم أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة، فيثق بالله ويطمئن لوعده، فيزول همه وقلقه.

• عاشراً : ومما يدفع الهم والقلق. الحرص على ما ينفع، واجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر، وقطعه عن الاهتمام في الوقت المستقبل، وعن الحزن على الوقت الماضي : ولهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن، فالحزن على الأمور الماضية التي لا يمكن ردها ولا استدراكها، والهم الذي يحدث بسببه الخوف من المستقبل، فيكون العبد ابن يومه، يجمع جده واجتهاده في إصلاح يومه ووقته الحاضر، ويتسلى به العبد عن الهم والحزن قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) رواه مسلم.

• الحادي عشر : ومن أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينته الإكثار من ذكر الله تعالى. فإن لذلك تأثيراً عجيباً في انشراح الصدر وطمأنينته، وزوال همه وغمه، قال الله تعالى : (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
وأعظم الأذكار لعلاج الهمّ العظيم الحاصل عند نزول الموت : (لا إله إلا الله) وذلك لما حدّث به طلحة عمر رضي الله عنه فال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (كَلِمَةٌ لا يَقُولُهَا عَبْدٌ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَتَهُ وَأَشْرَقَ لَوْنُهُ. فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهَا إِلا الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رضي الله عنه إِنِّي لأَعْلَمُهَا. فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ : وَمَا هِيَ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : هَلْ تَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ أَعْظَمَ مِنْ كَلِمَةٍ أَمَرَ بِهَا عَمَّهُ ؟ (لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) فَقَالَ طَلْحَةُ : هِيَ وَاللَّهِ هِيَ) رواه أحمد.

• الثاني عشر : اللجوء إلى الصلاة. قال الله تعالى : (واستعينوا بالصبر والصلاة) وكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى ؟ رواه أبو داود.

• الثالث عشر : التحدث بنعم الله الظاهرة والباطنة. فإن معرفتها والتحدث بها يدفع الهم والغم، ويحث العبد على الشكر الذي هو أرفع المراتب وأعلاها حتى ولو كان العبد في حالة فقر أو مرض أو غيرهما من أنواع البلايا، فإنه إذا قابل بين نعم الله عليه التي لا تحصى ولا تعدّ وبين ما أصابه من مكروه، لم يكن للمكروه إلى النعم نسبة، قَالَ صلى الله عليه وسلم : (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) رواه الترمذي.
فقد عمرو بن الجوح أحد ساقيه بسبب مرض ألم بها فبترها الطبيب، ولما أفاق قيل له مات ابنك محمد فقد رمحته الفرس في رأسه، فقال : يا ربِ لك الحمد أعطيتني أربعة أطراف فأخذت واحدة وأبقيت لي ثلاثة فاللهم لك الحمد، وأعطتني أربعة أولاد فأخذت واحداُ وأبقيت ثلاثة فاللهم لك الحمد.
ورأى رجل في يد صاحبه جرحاً عميقاً مخيفاً، فقال ما هذا ؟ وكيف تصبر عليه ؟! فقال له : لا تقل ذلك يا أخي، بل هو نعمة عظيمة، أريت لو كان هذا الجرح في وجهي فكيف سيكون الأمر ؟ فاللهم لك الحمد.

• الرابع عشر : الانشغال بعمل من الأعمال أو علم من العلوم النافعة. فإنها تلهي القلب عن اشتغاله بذلك الأمر الذي أقلقه. وربما نسي بسبب ذلك الأسباب التي أوجبت له الهم والغم، ففرحت نفسه، وازداد نشاطه.

• الخامس عشر : النظر إلى الجوانب الإيجابية للأحداث التي يظهر منها بعض ما يُكره. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقاً رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) رواه مسلم.

• السادس عشر : معرفة القيمة الحقيقية للحياة وأنها قصيرة وأنّ الوقت أغلى من أن يذهب في الهمّ والغمّ. فالعاقل يعلم أن حياته الصحيحة حياة السعادة والطمأنينة وأنها قصيرة جداً، فلا ينبغي له أن يقصرها بالهم والاسترسال مع الأكدار فإن ذلك ضد الحياة الصحيحة.

• السابع عشر : طلب النصح من أهل العلم والدين وطلب والمشورة منهم فإن نصائحهم وآراءهم من أعظم المثبتات في المصائب. وقد شكى الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا يلقون من تعذيب. فهذا خَبَّاب بْن الأَرَتِّ رضي الله عنه يقول : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) البخاري.

• الثامن عشر : حسن الظن بالله تعالى وأنه حكيم في أفعاله خبير بما يصلح العبد والله تعالى يقول : (أنا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي بي ما شاء)، وأن يعلم المهموم والمغموم أن بعد العسر يسراً، وأن بعد الضيق فرجاً فليحسن الظن بالله فإنه جاعل له فرجاً ومخرجاً. وكلما استحكم الضيق وازدادت الكربة قرب الفرج والمخرج.
وقد قال الله تعالى في (سورة الشرح) (فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً) فذكر عسراً واحداً ويسرين فالعسر المقترن بأل في الآية الأولى هو العسر في الآية الثانية أما اليسر في الآية الثانية فهو يسر آخر غير الذي في الآية الأولى.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس رضي الله عنهما : (النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) رواه أحمد.

• التاسع عشر : ومن علاجات الهموم ما يكون بالأطعمة. فقد روى البخاري رحمه الله عن عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينِ لِلْمَرِيضِ وَلِلْمَحْزُونِ عَلَى الْهَالِكِ وَكَانَتْ تَقُولُ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (إِنَّ التَّلْبِينَةَ تُجِمُّ فُؤَادَ الْمَرِيضِ وَتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ).
والتلبينة : هي حساء يعمل من دقيق أو نخالة ويجعل فيه عسل وسميت تلبينة لشبهها باللبن، وهي تطبخ من الشعير مطحوناً.

• العشرون : كثرة الاستغفار. من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ومن كل بلاء عافية.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة. عباد الله : أقول ما تسمعون وأستغفر الله.

● الخطبة الثانية :
الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد :
هبت عاصفة شديدة على سفينة فأغرقتها. وممن نجا من الركاب رجل أخذته الأمواج ولعبت به ثم طرحته على شاطئ جزيرة صغيرة مهجورة فيها قليل من الشجر، فلما أفاق من إغمائه حتى سقط على ركبتيه وطلب من الله العون، وسأله أن ينقذه مما هو فيه. ومرت أيام كان الرجل يقتات من ثمار الشجر ويشرب من جدول ماء يجري وينام في كوخ صغير بناه من أعواد الشجر ليحتمي فيه. وذات يوم أخذ الرجل يتجول حول كوخه ريثما ينضج طعامه الموضوع على أعواد الخشب المتقدة ولكنه لما عاد وجد النار تلتهم كوخه الصغير. فأخذ الرجل يصرخ ويبكي. ويقول حتى الكوخ احترق ؟ ومن شدة الهم والحزن نام جوعاناً وفي الصباح كانت المفاجأة. إذ وجد سفينة تقترب من الجزيرة وتُنزل قارباً صغيراً لإنقاذه. فقال لهم من جاء بكم ؟ وكيف عرفتم بوجودي هنا ؟ فقالوا : رأبنا دخاناً يتصاعد في السماء فجئنا إلى الجزيرة فوجدناك.
فسبحان من جعل احتراق كوخه سبباً في نجاته. فإذا ساءت ظروفك أخي فلا تحزن، وثق بأن الله له حكمة في كل شيء وأحسن الظن بربك. وعندما يحترق كوخك فلا تحزن فعل فيه نجاتك وفرج همك.

ثمانية لابد منها على الفتى ولابد أن تجري عليه الثمانية :
سرور وهم واجتماع وفرقة ● ● ● ويسر وعسر ثم سقم وعافية

نسأل الله تعالى أن يعافينا من الهموم وأن يفرج عنا الكروب ويزيل عنا الغموم إنه هو السميع المجيب، وهو الحي القيوم.

♦ عباد الله :
اعلموا أنَّ الله أمرَنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو الصلاة والسلام على النبيّ الكريم. (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر وعم وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 0  0  2746
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:19 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.