• ×

02:53 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ عبارة العنوان : ليست معادلة رياضية بحاجة إلى حل، فيفكر فيها اللبيب ويبدأ في التساؤل : كيف، متى، هل ؟ وينظر إليها البليد نظرة يائسة من عيون زائغة كل شيء تملْ !
عبارة تقوم على أركانها الأسرة، فإما أن تكون أركاناً واهية هشة كأنها خيوط العناكب، أو قوية صلبة مزينة بأحجار كريمة زاهية الألوان كقطعة فنية تم تشكيلها في هيئة رخام.
فمنذ أن تجول خواطر الرغبة في الزواج لدى الشباب، وتتحول إلى هواجس، فحديث نفس، فعزم، حتى يبني كل واحد منهم الآمال والأماني في تكوين أسرة متماسكة مثالية ؛ يقيناً منه أنه لا مجال للحياة السعيدة إلا بذلك، ولا معنى للدنيا سوى بتحقيق هذه الأحلام، فيقدم على الاختيار وأخاله سليماً مبنياً على معايير ارتضتها شريعتنا الإسلامية الغراء، فأوصت المقبل على الزواج أن يختار ذات الدين، مجلبة للسعادة، وكحق مشروع للأبناء على الآباء، حتى وإن لم يروا النور !
وبعد الزواج يحكي كل شريك أمنياته في فلذات كبده وإن لم يرى نور الدنيا بعد، نريد أبناءنا صالحين، مثابرين، يُشار إليهم بالبنان إيجاباً، وكذلك نريدهم بارين، ونروي للناس برهم بنا، ليس ريائا أو سمعة، إنما من قبيل : (فأما بنعمة ربك فحدث).
تلك الأماني في رغبات الآباء بذلك البر، والذي يتوجب عليهم ليحصّلوه أن يزرعوا فيهم القيم قولاً وعملاً وأن تكون مكتسبة وفق منظور القدوة بمن يحيط بهم، روى البخاري في صحيحه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كلكم مسئول عن رعيته)، وعدل الآباء من أهم الحقوق التي يتطلب إعطاؤها للأبناء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم)، وأراد رجل أن يُشهد الرسول صلى الله عليه وسلم على عطاء أراد أن يعطه أحد أولاده، فسأله النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : أكل ولدك نحلت مثل هذا ؟ قال : لا، قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : أشهد على هذا غيري. قال ابن القيم رحمه الله : وهذا أمر تهديد لا إباحة، فإن تلك العطية كانت جوراً بنص الحديث، وقد أبى صلى الله عليه وسلم أن يشهد عليها وأخبر أنها لا تصلح وأنها جور وأنها خلاف العدل.
ومن المشاهد الحسية الجميلة التي يغفل عنها كثير من الآباء هو الجور في تقبيل الأبناء، بتقبيل هذا وترك ذاك نسياناً أو تناسياً والطامة أن تكون سلوكاً مقصوداً وليس عفوياً، فتورث المتروك حسرة وألماً، لعله لا يبرأ ولا يندمل جرحه على مر السنين، ذكر البيهقي : أن رجلاً كان جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبّله وأجلسه في حجره، ثم جاءت ابنته فأخذها وأجلسها إلى جنبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فما عدلت بينهما.
وكان السلف يستحبون أن يعدلوا بين الأولاد في الصلة، ولو تأملنا القرآن الكريم لوجدنا أن وصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأبناء بآبائهم، وكثير من فساد الأبناء سببه إهمال الآباء، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بهم كباراً.
ومما سبق ليت الآباء يتعضون، ويعلموا أن حسن المعاملة والمعشر والرفق والعدل مع أبنائهم نواة لثمرة طيبة مباركة سيأكلونها هنيئاً مريئاً جزاء بما أسلفوا في الأيام السابقة، فذلك ديننا دين المحبة والتسامح والعدل، لا دين الأهواء والرغبات الشخصية، فكم من عاق لوالديه وصِم بالعقوق والخطيئة ورمقه الناس بنظرات وكأنها سياط من جهنم، ولم يدركوا أنه ضحية ظلم والديه أو أحدهما. وإن سألت بعض الآباء لأجابك قائلاً : لقد أدينا الذي علينا، وقمنا بدورنا تجاههم كاملاً (كأن ليس في الكون من أدى دور الأب سواهم !).

■ وأخيراً :
لنا تذكير، (بر الأبناء مرمه عدل الآباء) ، تلك العبارة التي نظرت إليها وافترضت أنها معادلة غير رياضية كلها معاليم ولا وجود أبداً للمجاهيل، في الجانب الأيمن الآباء وبالجانب الأيسر الأبناء، وبالجانب الأيمن أيضاً العدالة، وبالجانب الأيسر كذلك البر. فإن تم تجهيل أحد المعاليم سقطت المعادلة وكانت نتيجتها صفرا، أو وصمت المعادلة دون خوض غمار حلها وبمجرد النظر إليها أنها : معادلة مستحيلة الحل.

 1  0  3465
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1431-08-27 04:22 صباحًا ahmad alrddadi :
    موضوع رائع في زمن نرى فيه اختلال في العدل بين الأبناءوتقصيرمن الأبناءفي حسن البر بآبائهم
    جزاء الله كاتب هذه الكلمات خير الجزاء وجمع اله له بين بركة البر بوالديه وحسن بر أبنائه له

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:53 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.